إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الثلاثاء، 24 مارس 2026

الأستاذ اللواء/

    أحمد إدريس...

أحاديث الزمان والإنسان (4)

كلية الشرطة السودانية ... تاريخٌ وتجربة (ج)

في نحو العام 1982 طلبني سعادة العميد/ بدر الدين يوسف حامد – ابن حلتنا الذي كان ضابط شرطة منتدباً في "جهاز أمن مايو" - للعمل بإدارة التدريب "فرع الرتب الأخرى"، فنُقلت إلى التدريب وأنا حينها "نقيب" المباحث، وبقيت بها حتى وصلت إلى رتبة المقدم، وفيها زاملت العقيد حينها عبد المنعم سيد سليمان الذي كان يشغل مسؤول فرع الضباط. ثم وقع عليَّ الاختيار مديراً للمكتب السري للمكتب التنفيذي لوزير الداخلية، فنقلت لرئاسة الشرطة وبقيت مديراً للمكتب السري لرئاسة الشرطة حتى وصلت رتبة العميد.

العقيد شرطة م بدرالدين يوسف حامد

كنت في هذه الفترة قد أمضيت عدداً من الدورات التأهيلية والحتمية من جرعات التدريب بالداخل الخاصة بضباط الشرطة من الكورسات الحتمية، ثم دورة "الحرب الثورية" في كلية القادة والأركان، والحرب الثورية مصطلح يشير إلى كل ثورة داخلية تهدف إلى تغيير تام في النظام السياسي القائم في البلاد، وأول ما عرف به هذا المصطلح "حرب الاستقلال الأمريكية (1775-1783)"، ولا تُعدُّ الانتفاضات والمظاهرات السلمية الهادفة إلى تغيير أنظمة الحكم حروباً ثورية إلا إذا استخدم المشاركون أسلحةً نارية، وحينها يتوجب على القوة الشرطية الانسحاب تاركةً لقوات الجيش التعامل مع الموقف.

وعندما تم "تطبيق الشريعة الإسلامية" في البلاد على عهد الرئيس نميري في العام 1983م تم ابتعاثنا إلى جامعة أم درمان الإسلامية لدراسة كورس في القانون الجنائي الإسلامي. ثم نلت "دبلوم عام فوق الجامعي" في التربية من جامعة أم درمان الإسلامية -1984/1985م- وكانت دراسته في الفترات المسائية وعلى النفقة الخاصة، وكنت أستأذن لقضاء "التربية العملية" - وهي فترة التدريب العملي لدراسة التربية – وكنت أقوم أثناءها بالتدريس في "مدرسة الخرطوم القديمة"، وكنت أرتدي لها ملابسي المدنية، وقد ساعدني فيه رؤسائي المباشرون.

       وفي العام 1990م تمَّ اختيارنا لقضاء دورة تدريبية لمدة سنتين في "المركز العربي للدراسات الأمنية" بالمملكة العربية السعودية، فقضينا فيه العام الأول ومع انتهائه قامت حرب الخليج الثانية لتحرير الكويت من الاحتلال العراقي وهي ما أطلق عليها الأمريكان اسم "حملة عاصفة الصحراء" التي كان للسودان منها موقف المعارض وتم تصنيفه ضمن مجموعة "دول الضد" – وهي تلك الدول التي تحفظت على مساندة الحملة العسكرية ضد العراق، وهي: الجزائر وتونس ومنظمة التحرير
 الفلسطينية وموريتانيا والسودان وليبيا - فحُرِمنا بسبب ذلك من إتمام الدراسة بالمركز العربي بالرغم من أنه كانت يتبع لجامعة الدول العربية التي كان السودان جزءاً منها. وعلى إثر ذلك تقدمت للحصول على فرصة لدراسة الماجستير في التربية من جامعة الخرطوم وكان ذلك الأمر بفضل الله تعالى، وذلك بين عامي 1993م و1996م.

انخرطت في كورس التربية البدنية للمدربين، وكنت أول المتدربين لِمَا كنت أتميز به من مقدرات تؤهلني لأداء "البيان بالعمل" للأنشطة الرياضية على الطريقة العلمية، وكانت شهادتي في هذه الدورة معتمدة من الرياضي

 التربوي الشهير/ هاشم ضيف الله رحمه الله تعالى. وقد حافظت على الرياضة في حياتي هذه مشياً وجرياً الأمر الذي حفظ لي عافيتي بحمد الله من كثير من الأمراض التي تصيب أترابي.

نقلت في العام 1985م لرئاسة الشرطة للمكتب السري لمدير عام الشرطة والمكتب التنفيذي لوزير الداخلية، وهو مطبخ القرارات الذي تعد فيه المذكرات والقرارات، فلذلك أحسب أن نقلي هذا كان وفق اختيار دقيق، فقد عُرفتُ عند بعض القادة بتفرُّد أسلوبي في هذا الجانب على النحو الذي سردته من قبل عن العقيد بله عبد الله الحاردلو، وحينها عقَّب العميد سر الختم عثمان إدريس نائب مدير التدريب بالقول:( دي عملتها كيف؟!). وكانت مهمتي صياغة المذكرات للقرارات بعد توفر المعلومات المطلوبة لتلك القرارات ورفعها لمدير المكتب التنفيذي، ومن ثمَّ عرضها على السادة المدير العام ووزير الداخلية. وعند نقلي للمكتب السري لوزير الداخلية جاء سعادة الفريق أول عباس مدني وزيراً للداخلية في حكومة المشير عبد الرحمن محمد حسن سوار الدهب عقب "انتفاضة أبريل"، فقابلني الرجل بحفاوةٍ وبصدرٍ منشرحٍ وبنفسٍ طيبة، وقد ده

العميد شرطة/
سر الختم عثمان إدريس
ش الزملاء من هذا الموقف – وكنت أظن به أنه سيضمر مما سبق في نفسه شيئاً ما – غير أن الرجل صانه من ذلك تديُّنه الذي عُرف به، رحمه الله تعالى رحمةً واسعة.

         لكن فترتي في المكتب السري ووجودي ضمن العاملين في أعمال الإدارة العليا للشرطة أقحمني في أمورٍ مزعجةٍ ما كان لي من بُدٍ منها، فقد تزامنت هذه الفترة مع "الديمقراطية الثالثة" وتجربة الحكم الحزبي بعد سنوات مايو العسكرية وحكمها الذي امتد ستة عشر عاماً، فقد جرت حادثة لضابط شرطة الجوازات/ عصمت أحمد حسن ابن "بانت شرق"، فقد كان يقف ذات صباح في شارع "الموردة" إذ مرَّ من أمام الحضور السيد/ الصادق الصديق المهدي – رئيس الوزراء حينها – بموكبه الذي تتقدمه عربة نجدة المرور بأضوائها وأصواتها، فعلَّق الضابط على هذا المشهد مازحاً بالقول:( لو الواحد ضرب الصادق المهدي ده بي مسدس)، وقد سمع هذا الحديث اثنان من شباب الحي، هما: طارق علي عبد الله وعز اللدين علي عبد الله، كان منزلهم مستأجَراً داراً لحزب الأمة ببانت شرق، فأخطرا العميد بحري معاش/ عبد الرحمن فرح - قائد القوات البحرية سابقاً ومسؤول أمن حزب الأمة حينها- فاتصل باللواء/ عبد اللطيف علي إبراهيم – مدير الجوازات حينها والشهير بـ"أبو ساطور"– طالباً نقل الضابط عصمت، فنقله على الفور من "الخرطوم" إلى "الدمازين". وبرغم رأيي بتخطيء تصرف الضابط/ عصمت أحمد – وهو خير مثالٍ لما كنتُ أنتقده في استهتار ضباط الشرطة من حملة الشهادة
الفريق/
عبد اللطيف علي إبراهيم الشهير بأبي ساطور
 السودانية، فجلُّهم لا يكترث لهذه السلطة
القانونية التي منحتها له الشرطة بتمييزه عن أقرانه الذين يلتحقون بما سوى الشرطة من الوظائف، أما الشرطي من الخريجين الجامعين فلا شكَّ قد وعَّته سنواتها وإن أضاف إليها سنوات خبرة من الوظائف المدنية فقد كمُل رُشداً – فقد استشرت مسؤول المكتب التنفيذي حينها العميد/ صديق الهادي في كتابة خطاب للمدير العام أعترض فيه على هذا النقل التعسفي والتغول من حزب الأمة، فقال لي:( إنت ما نقابي!)، فقلت له: لو أنَّ مدير عام الشرطة لا يحمي منسوبيه، فلنبحث عن حزب يحمي منسوبي الشرطة من القرارات التعسفية. فكتبت لمدير عام الشرطة حينها الفريق أول/ فيصل خليل، (الرجل الحقَّاني) - رحمه الله تعالى وجعل مثواه الجنة – فاعتبر الخطاب غيرة مني على الشرطة من تغول الأحزاب فاتصل باللواء عبد اللطيف علي وأمره بإلغاء نقل الضابط عصمت أحمد حسن إلى "الدمازين" فوراً ونقله داخل ولاية الخرطوم. فأكبرت فيه هذه القوة في المواقف التي عُرِف بها.
        وهنا تبدو المفارقة بين تعامل ضباط القوات المسلحة مع زملائهم من المناصرة (ظالماً أو مظلوماً) وإن أرادوا المداراة عنه ادعوا سفره لمناطق العمليات فلا تطاله المساءلة فيما لا يريدون له ذلك.

الفريق عوض سلاطين
ولم يمضِ على الحادثة السابقة أسبوعاً حتى أصدر وزير الداخلية السيد/ سيد أحمد الحسين - الوزير عن الحزب الاتحادي الديمقراطي – قرار إيقاف لسعادة الفريق/ محمد الحسن يوسف، مدير شرطة الخرطوم لرفضه
وزير الداخلية/ سيد أحمد الحسين

التصديق بحصةٍ من وقود البنزين الخاص بالشرطة لصالح الحزب الاتحادي الديمقراطي! كما أصدر قرار إيقاف لمدير عام الشرطة الفريق أول/ فيصل خليل بسبب
عدم تنفيذ قرار نقل الضابط عصمت أحمد حسن. حينها قال الفريق/ عوض سلاطين، مدير الإدارة العامة للشرطة حينها:( أنا سأحتفظ بمذكرة أحمد إدريس أحمد، لكونها خير تنبيهٍ لخطر تدخل الأحزاب في العمل الشرطي).

هذه صورة من صور تدخل الأحزاب في العمل الشرطي بسبب ضعف قيادة الشرطة حينها، فقد كانت الأحزاب تدفع بالموالين لها للجيش والشرطة والضباط الإداريين ولوظيفة سكرتير ثالث في وزارة الخارجية. الانتماء للحزب في العمل الشرطي يجعل الشرطة غير مستقلة، ومبدأ العدالة غير محايد.

      وعلى ذكر التنقلات في الشرطة وطرائفها الأليمة، فقد أودع ابن دفعتنا فاروق عبد الله حمزة طلبه للنقل باختياره لولاية البحر الأحمر في رغباته الثلاث في تلك الاستمارة، ثم تفاجأ بقرار نقله إلى ولاية دارفور، فعلَّق حينها قائلاً:( أنا أَطْلُبْ البحرْ الأحمرْ... تَوَدُّوْنِي السَّمَا الأحمر؟). ولتكرار مثل هذه المضار من إدارة التنقلات في الشرطة، فقد أطلق عليها الزملاء عبارة (عَذِّبْنِي وتَفَنَّنْ)، وهي عبارة في قصيدة الشاعر محمد يوسف موسى، والتي غناها الفنان/ محمد وردي.
       كنت من موقعي في المكتب السري متابعاً لمراحل إنشاء مستشفى الشرطة بالخرطوم، والذي بدأ شفخانةً في كلية الشرطة بـ"عنابر كدنقا"، ثم قرار ترفيع نقطة الشرطة العلاجية بكلية الشرطة وفقاً لقرار مدير عام الشرطة آنذاك إلى مستشفىً، ثم تمدَّد حتى صار مستشفى الشرطة المعروف باسم "مستشفى ساهرون". فقد كان د. أحمد عوض - المدير التنفيذي لمشروع مستشفى الشرط
الفريق/ عبد اللطيف عشميق
ة 
حينها- يأتينا بخطاباته في المكتب السري لتُمهر من المدير العام ومن ثمَّ نقوم بتمريرها للجهات المختلفة. فبدأ المستشفى بالأطباء الأوائل أمثال الدكتور/ عبد المنعم النميري الطبيب العمومي وقتها والنقيب، والنقيب الطبيب عمومي وقتها/ عبد اللطيف عشميق، ودكتور. الفاتح الشكيري، وآخرين.

أسعفتني هذه المتابعة من حكم موقعي بالمكتب السري في إنشاء مستشفى الشرطة بدنقلا بعدما نُقلت إليها مديراً لشرطة الولاية الشمالية، ويرجع الفضل في إنشائها للسيد الفريق بكري حسن صالح وزير الداخلية حينذاك وليس مدير عام الشرطة كما أُثبِت في لوحة الافتتاح لاحقاً.

جامعة الخرطوم أتاحت لكبار الإداريين فرص الدراسة الأكاديمية بها للتأهيل الوظيفي كما أتاحت فرص الدراسات العليا، وقد حظيت بفرصة الدراسة لنيل درجة الماجستير في التربية بتخصص طرق التدريس، فعلى عهد الفريق علي فرح العوض مديراً لكلية الشرطة – وهو من الدفعة الثانية خريجين أي السابقة لنا - ابتعثنا مع آخرين لكلية التربية جامعة الخرطوم لدراسة الماجستير في تخصص التربية بجامعة الخرطوم، وكان من بين المبتعثين الفريق علي فرح نفسه. وبعد إكمال أكملت فترة الدراسة المنتظمة تأهلت لعمل البحث التكميلي الذي كان بعنوان (دور التربية في خدمة العمل الشرطي في ظل تطور القوانين في السودان)، وقد حباني الله عز وجل بإشراف العالِم   

البروفيسور/ محمد زايد بركة
العَلَم التربوي البروفيسور/ محمد زايد بركة. ولهذه السيرة وهذا البحث مساحةٌ خاصةٌ لا يسع المقام لها هنا. وهو الذي أشرف كذلك على دراسة الفريق علي فرح للماجستير.

بعد انتهائي من الماجستير وعودتي نقلت إلى إدارة التدريب – فرع تدريب الضباط، وأحسب أن نقلي لهذه الإدارة جاء انسجاماً مع المؤهل العلمي، لكن الأمر أدهش الزملاءَ فعقَّب أحدهم مازحاً بالقول:( نقلوك التدريب! كأنك مشيت الكويت)، وذلك لكثرة حوافزها في كل أعمالها، مثل حوافز الكفاءة الدرجة الأولى، والكفاءة الدرجة الثانية، والمسابقات، وامتحانات ضباط الصف للالتحاق بكلية الشرطة وهو ما يسمى بـ"التأهيلية"، وكذلك امتحانات ترقي الضباط من "ملازم" إلى نقيب، ومن مقدم إلى عقيد، وكذلك المحاضرات في كلية الشرطة ومحاضرات الأكاديمية العليا. وفي إدارة التدريب زاملت العقيد حينها عبد المنعم سيد سليمان الذي استمر فيها لمدة عشرين عاماً، والذي صار لاحقاً المدير العام للشرطة من (12/8/1995- 24/2/2000).


 
      لذلك أحسست بنقلي إلى "التدريب" أني في المكان المناسب وذلك بحسب تخصصي بالمناهج والامتحانات. وبهذه المناسبة فقد أخبرنا بعض أساتذتنا في كلية التربية الذين تم ابتعاثهم للدراسة للدكتوراة في الولايات المتحدة الأمريكية أن وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاجون" تختار المتقدمين في علوم التربية للانتساب لها لكونهم مقتدرين في التعليم والاتصال والبرمجة العصبية والتدريب وتطويره. غير أن التعاطي في السودان مع هذا المجال الأكاديمي كان مختلفاً، فقد كان التحاقنا بكلية التربية رغبةً شخصيةً من غير توجيهٍ أو حثٍّ، ولو فعلوا لرفدوا كلية الشرطة والأكاديمية بمعلمين أكفاء، فقد أفاد العائدون من تلك البعثات الخاصة فأصبحوا معلمين بجدارة في الكلية والأكاديمية ومعهد الضباط، وحفظوا للشرطة تاريخها عن وعي، ومن أمثالهم محمد عبد الله محمد الذي كتب في "تاريخ جهاز الشرطة في السودان" تلك الدراسة التي أخرجها مركز الدراسات الأفريقية بجامعة الخرطوم. والأعجب أن جامعة الرابط لم تضم في عداد كلياتها كليةً للتربية حسب علمي.

أما في إدارة التدريب – فرع الضباط في الشرطة قد لاحظت فيها أمراً غريباً في مناهج التدريب وطرائق التدريس والتقويم من الامتحانات وغيرها أنها ما تزال تجري على التقليد المتبع من زمن الاستعمار بغير تجديد ولا تطويرٍ، وبغير منهج

الفريق أول عبد المنعم سيد سليمان
 علميٍ معروف، وأن القادة السابقين الذين درسوا في جامعات خارج البلاد ونالوا درجات عليا في التخصصات المختلفة لم يطوروا الكلية - وقد كنا نحن الدفعة الثالثة في الشرطة من خريجي الجامعات - ولم تكن لهم بصمة في لائحة التقويم ولا المنهج أو طريقة الامتحانات للترقي والكورسات. وقد اقتصرت الدراسة فيها على بعض القوانين واللوائح الجنائية والإجرائية، وقد غابت بعض العلوم الأساسية من علوم القانون مثل علم الإحصاء الجنائي وعلم الإجرام فلم يضمن برغم أهميتها.

وقد كان التغيير الوحيد الذي وجدته هو ذلك التطبيع لإجراءات الامتحانات من الكنترول الموحد وحجم الحوافز المالية ولائحة المكافآت الذي ابتدعه اللواء – حينها - عبد المنعم سيد سليمان وهو مدير تدريب الضباط، فقد أمضى الرجل فيه نحو عشرين عاماً، وهو الحامل لشهادة الاقتصاد والدراسات المالية من جامعة أم درمان الإسلامية، ولذلك اهتم فيه بالجانب المالي واستهدى بتجربة "كنترول" تصحيح امتحانات الشهادة الثانوية السودانية في الحوافز المالية.

وكان منهج التدريب يقوم على امتحانات الترقي وهي حاجز للكفاءة، فمن ملازم لنقيب لابد من امتحان، وكذلك من نقيب لمقدم، ثم يجتاز الضابط الفرق الحتمية ويلتحق بأكاديمية الشرطة حتى يترقى لرتبة العقيد، ثم يترقى للرتب الأعلى بتخطي حاجز الكفاءة للترقي وهو يقوم على تقويم بالدرجات للشهادات وتقارير الأداء.

وبالرغم من كوننا في الدفعة (31) جامعيين، إلا أن التوجيهات التي كان تُصرف لنا كانت هي ذاتها تلك التي تُصرف للمقبولين لكلية الشرطة من الثانويين؛ فنُوجَّه بعدم تسور حوائط الكلية، وبالبس اللائق، ونحو ذلك مما لا يتناسب مع الفئة العمرية لخريجي الجامعات.

اما التدريب في الشرطة فإنه يتم على مهام الشرطة المدنية، مثل مكافحة الشغب والاضطرابات، وفي كل ذلك سلاحها "الدرقة" والعصا "الخيزرانة" والغاز المسيل للدموع، والبندقية للدفاع عن النفس، وهي بندقية نصف آلية. كما كانت هناك عقوبةٌ تربوية غابت من الإجراءات الجنائية والعمل الشرطي وهي شهادة "حسن السير والسلوك" والتي هي تدبير تربوي بديل لسجن الطلاب حتى لا يضيع مستقبل الطالب لذلك يُهَدَّد بالسير والسلوك، وقوام حركات الشغب والمظاهرات هم الطلاب. فإن نظام الشرطة السودانية مأخوذ من النظام الإنجليزي الذي لا يجيز استعمال السلاح ضد الشعب، والقانون والقضاء الإنجليزي لا يقضي بالإعدام على الجرائم لكنه يقضي بها فيمن قتل شرطياً.

كان التصحيح لامتحانات التقويم والترقيات تتم فيه المجاملات، فهو مدفوع القيمة، وقد يوكل لغير المتدربين على التقويم، وذلك أمرٌ خطيرُ الأثر، فإن الضابط - يومذاك – قد لا يعدو مؤهله العلمي الشهادة الثانوية، ومع ذلك يعطى مسدساً وسلطةً يحِدُّ بها حرية الناس، وهو غير أهلٍ للعمل الشرطي بذلك التقويم الجائر. وقد كان هذا عاملاً مهماً في هدم ثقة العامة في رجل الشرطة، ولذلك أرشدنا أستاذ الإجراءات الجنائية يومهاً لقضاء وقت في الحراسة للإحساس بقيمة الحرية الإنسانية والإحساس بالوصمة التي تعلق بالناس بسبب فقدان ذلك الشعور وتلك المؤهلات في الشرطي. وإن بعض صغار الضباط كان يأخذهم الحماس فيُعرِّضوا المتهم لإجراءات تكون وخيمةً وجائرة، وقد حدث ذلك كثيراً.

لقد ألهمتني دراستي للتربية واختصاصي بالتقويم وطرق التدريس أن أفيد العمل التدريبي بالشرطة من خلال تكليفي هذا، فأعددت مذكرةً تحوي رؤيةً علميةً لأسس المنهج التدريبي العلمي، بالأهداف الوجدانية والسلوكية والمهارية. والطرق العلمية للتدريس من "التعلُّم الذاتي" وحلقات النقاش "التعلم بالتعليم" والتعلم التجريبي أي نظرية "النمذجة والمحاكاة" في التربية. والطرق العلمية للتقويم، فمن المسلَّم تربوياً أن الامتحانات النهائية ليست العمدة في التقويم التربوي، وأصبحت أنماط التقويم المستمر تحوز على النسبة الأعلى علمياً في التقويم التربوي، فاقترحت لذلك أن يكتب المتدرب بحثاً في تخصصه في مؤسسات الشرطة، فمثلاً ضباط الجمارك يُكلفوا ببحوث في وسائل مكافحة التهريب ونحوها، وضباط حرس الصيد يُكلفون ببحوث تتصل بحماية "الحياة البرية" ونحوها، ثم تقوَّم البحوث بالمناقشات العلمية. كما اقترحت ألا يقتصر التقويم على الامتحانات فقط، بل يشمل ملاحظة النشاط اللاصفي والمشاركات في الأنشطة الأكاديمية، و"تقويم الشخصية" وهي التقويم الأنسب لكل معايير التقويم لوظائف الدواوين والمؤسسات، وحديثاً غدت هي العمدة لأسس الاختبار الوظيفي.

وقد يظن الكثيرون ألا علاقة للعمل الشرطي بالتربية، وقد أبنت هذا الجانب في بحثي للماجستير وسأعود إليه بصورةٍ أوفى لاحقاً، ولكن الشرطة تتعامل مع الصعيد الأوسع من الجمهور، وهي مؤسسة خدمية في المقام الأول، فهي توفر السلامة والأمن والطمأنينة التي هي رأس مال الأعمال والتطور والرفاهية، كما أنها تؤسس للعدالة بالإجراءات الأولى من التحري والتحقيق والضبط، وهي في كل ذلك تعتمد "التواصل" الذي هو جرثومة التعليم ومادته، فكيف يقوم مَن يقوم بتلك الأعمال وهو فاقدٌ للتأهيل لأول مقومات تلك العمليات مجتمعةً؟ الأمر الثاني هو أن "التدريب" أساس العلوم الشرطية، وله في مؤسساتها معاهد؛ كلية الشرطة، والأكاديمية، ومعهد الضباط، ألا يحتاج المدربون في هذه المعاهد للتأهيل التربوي للقيام بالتدريب على وجهٍ علمي؟ ومن الأعجب أن تقوم للشرطة جامعةٌ – وهي جامعة الرباط – ولا يكون من بين كلياتها كليةٌ للتربية!!

وقد اقترحتُ في المذكرة التقويمية تلك التحديث للمنهج بعدم الاقتصار على القوانين الجنائية الموضوعية والإجرائية ومهاراتها من التحري والتحقيق ونحوها، وقد غدت الشرطة جامعةً لوحداتٍ ما كانت لها بها صلة مثل السجون والجمارك والدفاع المدني تحت مسماها الجديد "الشرطة الموحدة"، فلا بد من إدخال علوم تتصل بالجمارك والضرائب وحرس الصيد، مثل علوم الاقتصاد والإحصاء والاجتماع والبيئة وتقانة المعلومات، فتلك علومٌ مساعدة قد تتصل بكل مجالات الشرطة الموحدة.

كان المسار العملي لتلك المذكرة يقتضي أن توضع أمام اجتماع هيئة القيادة للتداول بشأنها، سيما وأنها رُفعت حسبما تقتضي الإجراءات الإدارية من المسؤول الأول وهو شخصي حتى وصلت سعادة المدير العام وقتها وهو الفريق أول شرطة/ عبد المنعم سيد سليمان - وهو المنوط به إعداد مقترح أجندة اجتماع هيئة القيادة - غير أن الأخير رفض طرحها فضلت طريقها للإهمال، بل مثلت عنده عتبةً مانعةً للتعامل بيننا حتى انتهى الأمر بي بتقديم استقالتي لاحقاً حسبما سيتبين.

في العام 1989م وبعد انقلاب العميد عمر حسن البشير ظهر ما عُرف بـ"تطهير الشرطة" فاُقيل مدير الشرطة وعددٌ من الضباط كان منهم رئيس شرطة قسم الخرطوم بحري فنُقلت رئيساً للقسم ثم مديراً لشرطة الخرطوم بحري، فقمت بإلزام أفراد المباحث بارتداء زي الشرطة، وقمت بمراجعة ملفات أفراد شرطة الخرطوم بحري وحصرت العمل بالمباحث على الأفراد الذين خلت ملفاتهم من المخالفات الجنائية ومجالس المحاسبة والأعمال غير الأخلاقية، لقناعتي بأن مهارات المباحث من التحقيق وغيرها تكتسب أما الأخلاق فهي أساسٌ تأتي بعده المهارات وإلا فإن التهديد الأمني يُؤتى من قِبلها .

لقد كان العمل الشرطي في تلك الحقبة بن سنوات السبعينات والتسعينات من القرن الماضي مرهِقاً ومُجْهِداً للذهن – سيما العمل في العاصمة - فقد كنَّا غالباً في حالة ا

المقدم حسن حسين عثمان
استعداد (On Call ولم تكن البلاد في حالة استقرار، فبُعيد استلامنا للعمل كان انقلاب المقدم حسن حسين عثمان 5 سبتمبر 1975 ثم ما لبثنا أن كانت حادثة "المرتزقة" 1976م بقيادة العقيد محمد نور سعد وأحزاب المعارضة السودانية في "ليبيا" وقد سبقت الإشارة إليها. ثم تلتها ببضع سنواتٍ تمرد "الحركة الشعبية لتحرير السودان" التي عُرفت اختصاراً بالحروف الإنجليزية "SPLM" (Sudan People's Liberation Movement) بقيادة "جون قرنق"، والتي أدت إلى اضطرابات واسعة في البلاد قادت إلى "انتفاضة أبريل" 1985م وما عُرف بعدها بفترة "الديمقراطية الثالثة". وبين عامي 1984 -1985م كانت "مجاعة دارفور" ونزوح أهلها إلى أطراف العاصمة القومية بسبب الجفاف. ثم جاء انقلاب العميد عمر حسن البشير الذي عُرف باسم "ثورة الإنقاذ الوطني" في العام 1989م. ومن أشهر الأحداث التي ولَّدت اضطراباتٍ في هذه الفترة الأخيرة كانت محاولة "انقلاب الكدرو" في 1990م بقيادة اللواء عبد القادر الكدرو، واللواء الطيار محمد عثمان حامد كرار. ثم في العام 1993م أدرجت وزار
اللواء/ محمد عثمان حامد كرار
ة 
الخارجية الأمريكية السودان في قائمتها التي عُرفت باسم (قائمة الدول الراعية للإرهاب). 

وفي العام1995م اتُهِم السودان بمحاولة اغتيال الرئيس المصري محمد حسني مبارك أثناء زيارته لجمهورية أثيوبيا. ثم في العام 1996م جرت أول انتخابات رئاسية في عهد "ثورة الإنقاذ" وذلك لمقاعد رئاسة الجمهورية ورئيس المجلس الوطني الانتقالي وعضوية المجلس.  

في العام 1996م تمَّ نقلي مديراً لشرطة الولاية الشمالية فأمضيت فيها حولين كاملين أنهيت بها خدمتى وتجربتي المهنية بشرطة السودان باستقالتي، لكن العمل بالولاية الشمالية كانت له مجريات أتناولها في جزء خاص.