الأستاذ اللواء/
أحاديث الزمان والإنسان (5)
الشرطة في علم التربية.. محور دراستي
الأكاديمية
بعد عودتنا الاضطرارية من البعثة الخارجية بالمملكة العربية السعودية بسبب اندلاع حرب الخليج الأولى تقدمت بطلب للابتعاث الداخلي بعد أن وجدت قبولاً من جامعة الخرطوم لدراسة الماجستير، وتم ابتعاثنا نحن نخبة من قيادات الشرطة كلٌ للتخصص الذي اختاره، بغير تقدير من إدارة التدريب في ذلك، فمنا من اتجه للتخصص في القانون ومنا من اختار الآداب وكنت في البعض الذين اتجه لدراسة التربية، وقد زاملني فيها سعادة الفريق أول علي فرح.
كان أول اختبار عفوي واجهني فيها هو سؤال بعض الإداريين لي: لماذا لا تتخصص بالقانون وأنت شرطي؟ وما علاقة التربية بالشرطة؟ فكنت أجيب بأن أساس العمل الشرطي هو الاتصال بالجمهور، وتوجيه وإرشادٌ وقايةً للناس من الضرر وهدايةً للسلوك القويم، وذلك أساسه ومنطلقه هو علم التربية. وكنت أظن أن القيادة سيكون لها تخطيط ملزم ذو أهداف مستقبلية في أمر الابتعاث لكن واقع الحال فيما بعد كشف لي خيبة ظني هذا.
أهديت بحثي المعد لرسالة الماجستير هذه لوالدتي اعترافاً مني بفضلها عليَّ في رعايتها وعلمها – وإن كانت أميةً – لكن كفى بالخبرة في الحياة علماً ووعياً، وقد لخَّصت لي زبدة خبرتها في الحياة بتكرارها المثل السوداني السائر:" القَلَمْ مَا بِزِيْلْ بَلَمْ"، والبَلَمُ لغةً معروفٌ وهو عدم القدرة على الإفصاح، سواءً كان ذلك الإفصاح بالقول أو بالفعل، فمن لم يترك بقوله وفعله أثراً يستهدي به الآخرون فما استفاد علماً بقلمه يستهدي به الآخرون فما استفاد علماً بقلمه ولا أفاد فهماً بفعله، وهذا الأمر أكدته لي تجربتي المهنية وكان المفسِّر لي للكثير من المواقف الصعبة فيها. فقد كانت الوالدة رحمها الله تعالى (تنظر بنور الله) الأمر الذي أبانه تحقق رجائها في الله تعالى بأن تُقبَر في بقيع الغَرْقَد، حيث آلاف الصحابة رضوان الله عليهم بجوار الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضى الله عنه، وفي حرم رسوله r، فكان لها ما تمنَّت على اللهِ ربِّها ومولاها.كما إني وجهت شكري في الرسالة لكل من أسهم فيها بتيسيرٍ وعونٍ وخَصَصْتُ منهم رفيقةَ دربي فيها وفي كل مراحل حياتي بعد زواجي منها أفراحاً وأتراحاً، وهي الآن بصري الذي عوضني الله بعد إصابتي بضعف البصر.
وخصَصْتُ أساتذة الدراسات العليا بكلية التربية بجامعة الخرطوم وعميدها الأستاذ الدكتور/ محمد سعد سالم، والمشرف عليَّ فيها الأستاذ الدكتور/ محمد زايد بركة، الذي ما بخل عليَّ بتوجيهٍ صائبٍ أو علمٍ نافعٍ ولا وقتٍ وما أثمن الوقت عنده، وذلك برغم إدارته لأكثر من عمادة، وتعدد حلقات عمله. وإن كانت هناك فوائد علمٍ فيها فله فيه فضلُ صائبِ التوجيه، وإن كان هناك بعض الخلل
- والكمال لله وحده - فهي بعضٌ مِنْ تعجُّلي لبلوغ الغاية - وخيرُ البرِّ عاجِلُه – وأسأل الله ثواب النيَّة الحسنة. وأنوي - إن شاء الله تعالى - أن أخصص لتوثيقه مقالاً مستقلاً بذلك.وما
زلتُ ممنوناً لمؤسسة "الشرطة السودانية" التي كنت من منسوبيها، وأذكر
بالفضل "إدارة التدريب" فيها التي ابتُعثت عنها لهذه الدراسة خدمةً لها
وإخلاصاً لأهدافها ورسالتها المجتمعية ودورها الوطني العميق في التاريخ والحاضر.
لقد
انفعلت وجدانياً بهذه الدراسة وأخلصت في تحري المنهج العلمي فيها والتناول
الموضوعي لجوانبها والعمل على تمحيص النتائج والتوصيات التي خلصتُ بها. وأحسب أن
الله هداني ووفقني لهذا العنوان ليكون محور دراستي وهو: (دور التربية في خدمة
العمل الشرطي في ظل تطور القوانين في السودان).
وأهم
تلك الموضوعات التي أحببت التركيز عليها هي مسألة "التربية الإسلامية"
باعتبارها محور الثقافة المجتمعية للسودانيين والتي تتم التفاعلات الاجتماعية
جميعها فيها، ويتأثر بها الدور الشرطي كثيراً سلباً وإيجاباً، ولعل إغفال المستعمر
للأعراف السودانية الدينية كان مبعثه إحداث القطيعة بين الشرطة والمجتمع، واستغلال
الشرطة أداةَ قمعٍ ضد المجتمع، بدورٍ لا يمتُّ لثقافة المجتمع الحاضن لها.
"التربية الإسلامية" هدفها المحافظة الوجودية للأنفس والأموال والنسل والعقول فضلاً عن "حفظ الدين"، وهو صلب وعمود الدور الشرطي في المجتمعات، قبل أن تطال أفرادها القوانين الرادعة والتجريم القضائي.
والأمر المهم جداً في التربية الإسلامية هو "التربية الموجَّهة" التي تصاحب "التربية التشريعية" فيها، وقد سعيت إبان دراستي هذه للاتصال بواضعي منهج الدراسات الإسلامية سيما للمرحلة الثانوية لمحاورتهم في جوانب متصلة بها مثل إغفالهم لحد الخمر فيه في الوقت الذي كانت هذه الظاهرة الاجتماعية السالبة منتشرةً ومؤثرةً في ارتكاب كثيرٍ من الجرائم البالغة الخطورة، فعلمت من دار النشر اسم وعنوان واضع المنهج وهو الأستاذ/ عثمان محمد عبد الرحمن ذهبت لزيارته في داره بـحي "حلفاية الملوك" بالخرطوم بحري، فعلمت بغيابه لأداء العمرة فترقبت عودته منها فزرته في الحادي عشر من شهر مارس 1995م، فذكر لي أنه التحق بالوزارة في العام 1954م، وعمل بها لتسعة وثلاثين عاماً قبل أن يتقاعد في العام 1981م، وهو يحمل الشهادة العالمية من "المعهد العلمي" بأم درمان، والشهادة العالمية التي يمنحها "معهد أم درمان العلمي" تعادل الشهادة العالمية الأزهرية. وبالإضافة لنشاطه المستمر عبر الحلقات التدريسية التي يقيمها بالمسجد فإن آخر أعماله هو كتاب "العقوبات في الإسلام" وهو أول
كتاب في التربية الموجهة في التربية الإسلامية، فقد أحدث هذا المنهج ثقافة تشريعية كبرى للدراسين بهذه المرحلة وكانت هذه الثقافة لها ما بعدها في الوعي العام. ولم يكن السودان الأسبق في هذا الشأن فقد علمت من دوريات "الإنتربول" أن الصين سبقتنا في "التربية التشريعية"، فقد كانت قريةٌ بالصين تنشر التوعية بالقانون بين سكانها الأمر الذي حدَّ من الجريمة فيها. وقد كانت التربية التشريعية التي سوقها المنهج الدراسي السوداني الثانوي الذي طرح في العام 1976م سابقاً لسياسة "تطبيق الشريعة الإسلامية" التي جاءت في العام 1983م في عهد الرئيس الأسبق/ جعفر محمد نميري. فقد هدفت في هذه الدراسة التوثيق لهذا السبق التربوي السوداني في "التربية التشريعية" و"التربية الموجهة" من خلال المنهج الدراسي للمرحلة الثانوية فيه. كما هدفت من وراء ذلك لبيان العلاقة العضوية بين "التربية الإسلامية" والعمل الشرطي، وأحسب أن ذلك ظهر من خلال تحليل استمارة "شرطة جنائية" رقم (4) الخاصة بمعتادي الإجرام من المواليد بعد العام 1962م، التي أتعرض لجانب منها في هذا المقال.وبالرغم
من أن مهمة التثقيف القانوني من مهام وزارة العدل السودانية إلا أنها قصَّرت في
ذلك، ولولا أن بعض المبادرات الفردية في ذلك، فالأستاذ/ كمال شانتير المحامي اشتهر
ببرنامجه "مشكلات قانونية" على "التلفزيون السوداني" في حقبة
الثمانينيات من القرن المنصرم وكان له الأثر الكبير في نشر الثقافة القانونية.
(الإذاعة
السودانية دائماً تتفرد وتتفوق على شتى وسائل الإعلام الموجودة العاملة
في هذا البلد؛ برامجها متينة وقوية، ولهذا فهي جديرة بالاهتمام والاستماع
للاستفادة. وكثيرٌ من البرامج الثقافية الثابتة الجاذبة المتجددة يجبرك
على التتبع بفعاليتها ولمسها لحواس ومشاعر من يهتم بها ويتابعها.
شدني برنامج
من المكتبة السودانية، هذا البرنامج الحافل الموسوعة الذي يستعرض على
فترات آراء وأفكار أعظم المفكرين في بلادي. وأعجبني أكثر هذه
الأيام لأنه يتابع بالتحليل آراء اللواء شرطة/ أحمد إدريس في الحديث عن
علاقة التربية بالعمل الشرطي، وكيف أن الجمهور يخاف من الدخول لمكاتب الشرطة،
وتاريخ هذا الخوف، وإنه ذو آثارٍ تربوية سالبةٍ تعرَّض لها
بالشرح والتفصيل والدعوة للعلاقة الودية بين الشرطة والمجتمع، ولا بد من إزالة هذه
الشائبة التربوية المتأصلة في نفوس المجتمع. ولكي يكتمل دور الشرطة في حفظ
الأمن والنظام، لا بد من إزالة هذه المخاوف، والحديث عن الأخلاق الفاضلة، ودوره في
رقي المجتمعات وتقدمها. تحية للسيد اللواء/ أحمد إدريس على هذه
الدراسة، وإجلال وإكبار للإذاعة السودانية التي تعرف كيف تختار برامجها. وهذه
دعوة لمتابعة هذا البرنامج الثقافي المفيد، الفائدة الجمة). (صحيفة الحدث -العدد
"157" بتاريخ 1-6-1995م).
والقوانين
الوضعية التي اتخذها الاستعمار للسودانيين تعارض أخلاقهم وأعرافهم فضلاً عن تدينهم
الفطري، فـ"الزنا" مثلاً يبيحه القانون الوضعي إلا إن كان عن إكراهٍ ونحوه،
فلا اعتبار فيه للجنين الذي سيعيش عمراً كاملاً تحت أنظار المجتمع بغير والِدَيْنِ
وبغير حميمية الأسرة الطبيعية. و"السُكر" في القانون الوضعي غير مجرَّم
إلا أن يصاحبه إزعاجٌ أو جريمة، فيعاقب الشارب حينها على تلك الجريمة أو ذلك الإزعاج،
فكأنما هو يُلقي المرء (في اليَمِّ مكتوفاً ويقول له: إياكَ إياكَ أم تبتلَّ بالماء!)
فالقانون الوضعي لا يراعي الأخلاق.
وبالإشارة
إلى استمارة الشرطة الجنائية رقم (4) والتي
تعني بمعتادي الإجرام - وهم الأشخاص الذين اعتادوا ارتكاب أكثر من جريمة. وبهذا
يستبعد المجرمون بالصدفة - فالاستمارة عبارة عن بطاقة توفر معلومات وافرة وضرورية
لمعتادي الإجرام، ويرصد هذه الاستمارة "قسم السجلات بالمباحث
المركزية". والغرض منها التعرف بالجاني عبر أسلوب الجريمة، إذ أنَّ لكل مجرمٍ
من معتادي الإجرام أسلوبٌ تعبيري خاص في ارتكاب الجريمة يقود – من خلال توثيقه – لاكتشاف
الجريمة والتعرف بالجاني. وقد كشف تحليل العينة لهذه الاستمارة والبالغة 16% من
مجتمعها تدني نسبة المعتادين في أوساط من تلقوا
تعليماً في الخلاوي بصورة تلفت النظر إلى هذا النوع من التعليم بصورة تستحق الدراسة
والوقوف عندها وتشير إلى أثر التربية الدينية -والمرتبطة بالتربية التشريعية بالضرورة
– في خفض مستوى الجريمة في المجتمع.
فالتربية
الإسلامية غنية بالتربية التشريعية والبيئية، وجميعها تصب في إطار الوقاية من الجريمة.
فالتعليم الديني بوجهٍ خاص يعزِّز الوازع الضميري بالإضافة إلى الردع الشرعي.
كذلك
معظم النشاط في الخلاوى يكون لفترتين صباحية ومسائية، فالتربية الإسلامية تأخذ
حيزاً كبيراً في الدراسة، بالإضافة إلى النشاط المصاحب في مجال العمل الزراعي لدعم
الخلوة، وبالاعتماد على الذات كذلك في إعداد وتجهيز أدوات الكتابة من الألواح
والحبر والأقلام بواسطة الطلاب، الأمر الذي يساعد في غرس حب العمل. وبالرغم
من بعض المآخذ على الخلوة من حيث طرق التدريس التي تعتمد على الاستظهار وأسلوب العقاب
وتواصل الجهد إلى حد الإرهاق، إلا أنه من خلال الدراسة وضح أن التربية الإسلامية
في الخلوة نجحت في الإسهام بقدر كبير في الحد من الجريمة وبنسبة عالية تساوت فيها
مع المرحلة الثانوية. ويظهر النجاح بصورة جلية لو علمنا أن الطالب في الخلوة لا
يبقى فيها بالقدر الذي يتواصل فيه التعليم إلى الثانوي، والذي يمتد إلى اثني عشر عاماً.
إن
نجاح التعليم الديني (الخلوة) في الوقاية من الجريمة - كما وضح في التحليل المشار
إليه - يعود إلى الأخذ بالتربية الإسلامية علماً وعملاً، فتلاميذ الخلوة (الحيران)
من خلال ارتباطهم صباح ومساء بالخلوة يجعلهم ذلك ليس فقط يتصل عملهم بالصلاة نظرياً
وإنما يمارسونها في جميع الأوقات وفي جماعة، فالصلاة - وكما نعلم - تنهى عن
الفحشاء والمنكر، وفي هذا ما يجعل الوازع الديني لديهم حياً وحاضراً باستمرار، وفي
هذا ما هو كفيل بتحصينهم من الانزلاق في الجريمة، والتي تقع في دائرة المنكرات.
كذلك المعلم في الخلوة - وهو الشيخ -
قدوةٌ حسنة في نطاق الخلوة والمجتمع المحلي، وربما يكون لعامل السن أثره من حيث أن
الشيخ في الغالب قد تجاوز حماس الشباب واندفاعه، ولهذا يتصل سلوكه بالاعتدال. ولعل
من أهم طرق تدريس التربية الإسلامية التأسي بالقدوة الحسنة. حيث لنا )فِي رَسُوْلِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ(.
الأمر الثاني الذي
أهمني في هذه الدراسة وسعيت لتوثيقه هو الدور الوطني للشرطة السودانية، في التاريخ
السياسي السوداني، تلك الصفحة التي غبَّشها النَّيلُ السياسي الكيدي والانتهازي من
بعض الاتجاهات السياسية التي تسعي للصعود إلى المواقع السيادية بكل سبيل، فتتخذ من
الوقيعة بين الشرطة والجمهور سبباً. لكنَّ كُتَّاب التاريخ السوداني لم يتوقفوا
عنده كثيراً – هذا إن ذكروه في جملة أحداث تلك الفترة – فقد توقفوا عند إضراب
الكلية الحربية وعند إضراب المزارعين وإضراب العمال، بل وعند إضراب الفنانين ولم
يعطوا ذات القدر من الاهتمام لإضراب البوليس، على الرغم من أنه كان رائداً لعدد من
إضرابات المقاوَمَة للمستعمر، فقد كتبت الصحفية البريطانية (W. J. Berridge واي. جي. بيريدج) في (مجلة
تاريخ الاستعماروالكومنويلث) عن هذا الحدث قائلةً:(دخل
نحو 700 من رجال شرطة الخرطوم في إضراب عن العمل. وتبعهم في اليوم التالي رجال
شرطة السكة حديد، وغالبُ رجال قوات السجون بالخرطوم. ونتيجة لذلك الإضراب 
جيمس روبرتسون
أسند أمر
حفظ الأمن والنظام بالمدينة إلى قوة دفاع السودان، إلى أن عاد المضربون للعمل بعد
نحو أسبوع. وأمر جيمس روبرتسون السكرتير الإداري ونائب
الحاكم العام بتكوين لجنة للتحقيق سميت فيما بعد بلجنة واطسون
Watson Commission. وجاء في تقرير تلك اللجنة نقدٌ
لاذع لطرق عمل شرطة الخرطوم ولبعض ضباطها البريطانيين. ونتيجة لذلك التقرير تم فصل
القمندان/ ليزلي جيمس ونائبه، مع 222 من المضربين).
(https://www.alrakoba.net/645142/إضراب-شرطة-الخرطوم-عام-1951م-والنزاع-حول-السيطرة الإدارية)
هذا في الوقت الذي صوّر الأستاذ أحمد خير المحامي - الذي تناول أحداث تلك الفترة في كتابه "كفاح جيل" - صوّر البوليس كأداة قمع بيدِ المستعمر كما لو أنهم ليسوا وطنيين، ولم يأت لهم على ذكر حسن. ويُوضِح سعادة اللواء شرطة معاش/ صديق إبراهيم مخير في كتابه (رؤية شرطية) وضع الشرطة خلال الحكم الأجنبي بالقول:( كان مفروضاً على الشرطي أن يكون في معزل عن المدنيين من المواطنين وعدم مخالطتهم في العمل، وأن يكون صارماً في معاملته مع الجمهور، وفوق ذلك مسخراً للعمل السياسي، يبلغ عن كل تذمرٍ ضد الحكومة ويراقب كل من يخالف سياستها، إذْ لم تكن الشرطة وقتها في نظر الحكم الأجنبي إلا أداة ردع. وبهذه الطريقة تمَّكن للاستعمار من استعداء الشرطة على الشعب وخلق جفوة بينهم وبين أهليهم) (رؤية شرطية - الخرطوم 1993م ص 72).
وبالرغم
من العنف والعسف الذي اتصفت به الشرطة وفي ظروف كانت القوانين تصاغ لصالح المستعمر
الذي كانت قيادة الشرطة في يده، كذلك كان الاعتماد على قوة من رجال الشرطة الأميين
معزولين بالقانون عن قيادتهم من الضباط الوطنيين.
برغم
كل ذلك يأتي إضراب رجال الشرطة في العام 1951 بسبب المعاملة غير الكريمة من القومندان
الإنجليزي
والمتمثلة في الجزاءات
القاسية والحالة السيئة للسكن الذي كان عبارة عن حجرة واحدة للشرطي وأسرته. وقد
كان الإضراب مطلبياً شأنه شأن إضراب العمال عام 1938 وإضراب الكلية الحربية عام 1924
الذي كان بسبب الترقيات، إلا أن الباعث الحقيقي لكل هذه
الحركات كان وطنياً.
ومن فوائد الإضراب دخول أول دفعة من خريجي المدرسة الابتدائية في سلك الشرطة، وقد كانت دفعة نشطة ألحَّت على التعليم في صورة منشورات، كما قاموا بالكتابة في الصحف بأسماء مستعارة مطالبين بالتخلص من المستعمر، فمثلاً قُدِّم الشرطي/ محمد عبد الله جابو لإجراءات تأديبية إثر كتابته في الصحف سراً عن تدهور أحوال الشرطة.
حتى تاريخ شروعي في دراستي للماجستير لم تكن الأبحاث التي سبقت حول تاريخ الشرطة منشورة، فقد كان منها دراسة السيد/ عمر بابكر صالح، بعنوان (تاريخ قوة بوليس السودان 1898– 1956)، وهي دراسة أعدت لنيل درجة الماجستير في الآداب – تخصص التاريخ من جامعة الخرطوم.
ومنها كذلك دراسة ضابط الشرطة/ محمد عبد الله محمد زين - الذي كان يسبقنا بدفعة في الجامعيين بكلية الشرطة– وهي دراسة أعدت لنيل درجة الدبلوم من "معهد الدراسات الأفريقية بجامعة الخرطوم" بعنوان: (تاريخ جهاز الشرطة في السودان) وكلاهما بحوث غير منشورة. وقد خلصت الدراسات إلى نتيجة متقاربة مفادها أن الإضراب كان ناجحاً من ناحية إدارية، أما من ناحية سياسية فلم يكن كذلك. وقد اجتهدت في البحث في الجانب الوطني لدور قوة الشرطة في هذا الإضراب، ولذلك قمت في يوم 13/12/1994م بزيارة "دار الوثائق السودانية" بحثاً عن مواد توثيقية لذلك الحدث في ملف الصحف السودانية فوجدت أن الأستاذ الصحفي/ محمود أبو العزائم كتب تحت عنوان (ساهرون حتى الموت) في صحيفة "السودان الحديث"، العدد (1775) 03/12/1994م (أن إضراب الشرطة عام 1951 ترتبت عليه مواقف بطولية للصحافة استفزت "جيمس روبرتسون" السكرتير الإداري إلى حد ضربه للمنضدة بقبضته صائحاً في التجمع الصحفي الذي كان على رأسه أبو الصحف/ أحمد يوسف هاشم قائلاً:( ارفعوا أيديكم عن بوليسي) وكأنها ملكية خاصة يوجهها حيث شاء. ولكن الشرطة قبل الصحافة علمته الدرس البليغ بأنها من الشعب وإلى الشعب).وفي اعتقادي أن الإضراب لم يكن شيوعياً بقدر ما هو نتاج طبيعي لاستيعاب دفعة من رجال الشرطة الذين نالوا حظاً من التعليم، وهم خريجو الخلوة والمدارس الابتدائية، حيث كان منطقياً أن تقود هذه الفئة حركة واعية
ووطنية وسط القوة. ولعل الشاهد على ذلك سياسة كرومر التعليمية التي كانت تهدف من وراء إتاحة فرص التعليم العام لفئة صغيرة إلى إضعاف الحركة الوطنية، وقد كان كرومر لديه اعتقاد جازم بأن تبعات التعليم الطبيعية هي ميلاد طبقة وطنية تسعى للتخلص من الحكم الأجنبي. وهذا الذي كان يخشاه المستعمر حدث بالفعل في إضراب الشرطة والذي كان نتيجة دخول الفئة المتعلمة - التي حسب كرومر لها ألف حساب- سلك الشرطة لأول مرة، وقد أكد ذلك جندي شرطة/ عبد الغني محمد بن عوف أحد أعضاء لجنة العشرة القيادية التي خططت ونفذت الإضراب، ومن خلال مقابلتي له فقد أكد لي أن الإضراب كان قومي التوجه، فقال لي:( إن الإضراب كان نتاج دخول مجندين من خريجي الخلوة والمدرسة الأولية لأول مرة في سلك الشرطة، وقد بدأ ذلك منذ العام 1939، وقبل هذا كان الاستعمار يعول على الأميين لسهولة قيادتهم لخدمة أغراضه، وقد كان للضباط الوطنيين أمثال أحمد جلي وبلال العوض دورٌ في دخول هذه الفئة بعد تلقي تدريب لمدة ثلاثة أشهر وبعدها يتم الانخراط في العمل الشرطي).والجندي
شرطة (م) عبد الغني محمد ابن عوف، من مواليد 1927 وهو أحد أعضاء لجنة العشرة الذين
بدأوا التنظيم في صف وأفراد الشرطة لرفع الظلم الواقع عليهم وعلى البلاد. وقد أجريت
معه هذه المقابلة بنادي "أبناء الباسا" في "الديوم الشرقية" بالخرطوم
وذلك مساء 12/ 6 /1995 وذلك بوصفه من أوائل الفئة التي
نالت حظاً من التعليم
وانخرطت في الشرطة، وكان قد تلقى تعليمه بـ"خلوة" بالولاية الشمالية في
حفظ القرآن الكريم، وتجند بالشرطة في العام 1944 وظل في رتبة الجندي حتى قيام
الإضراب في يونيو 1951 حيث تمت محاكمته بالسجن سنتين بالتطابق، أرسل على إثرها مع
بعض زملائه لسجن الدامر.
القومندان/ صديق مخير
كان
جميع أعضاء اللجنة من الجنود فيما عدا رئيس اللجنة وكيل عريف/ عثمان عبد الرحيم
رغم أن خدمته امتدت لأكثر من سبع سنوات، وهذه واحدة من المظالم المتعددة التي سعت
اللجنة لمعالجتها إلى جانب السكن غير الإنساني، حيث كان يعيش الشرطي في قشلاق الخرطوم
غرب هو وأسرته في غرفة واحدة(4r4) وحوش(4r4) ومرافق عامة لكل سكان القشلاق، إلى جانب ضعف المرتبات وانعدام
الخدمات الاجتماعية الضرورية، هذا إلى جانب السبب المباشر المتمثل في تعسف قومندان
الخرطوم/ جيمس وفرضه للواجبات بالقهر، أضف إلى ذلك الحقوق المهضومة،
فإن الأفراد الذين تجندوا في الشرطة في العام 1944م مكثوا في رتبة جندي حتى العام
1951م تاريخ قيام الإضراب..
لقد كان معظم أعضاء اللجنة القيادية للإضراب من خريجي الخلوة وحفظة القرآن وقد كان أيضاً الالتفاف حول اللجنة يتم عقب أداء القسم على المصحف. كذلك هذه الفئة المتعلمة أتيحت لها الفرصة للاطلاع على الجرائد المحلية والمصرية والإذاعات العالمية وقتها.
وقد بلغت النظرة القومية للمطالب إلى حد الالتفات إلى وضع الشرطة بجنوب السودان، إذ كانت الشرطة
![]() |
| لواء شرطة/ أمين أحمد حسين |
وقد بدأ نشاط اللجنة في عام 1947 وانتهى بالاجتماع في مدينة الخرطوم بحري والخروج في مظاهرة للخرطوم وإعلان الإضراب في 1/6/ 1951 والذي كان عملاً شرطياً خالصاً ولم تشارك في الإعداد أو التنفيذ له أية جهة من خارج الشرطة. وفي اليوم الخامس والأخير للإضراب حضر كلٌ من "الشفيع" و"سلَّام" من قادة الحزب الشيوعي وخطبوا في الشرطة بثكناتهم بالخرطوم غرب بوصفهم متعاطفين مع الإضراب، وقد حظي الإضراب بتجاوب تام من رجال الشرطة بالخرطوم والأقاليم - رغم صعوبة الاتصال - فيما عدا الشرطة في الجزيرة التي كانت قيادتها قد سودنت بالضابط السوداني/ أمين أحمد حسين، وكذلك شرطة كردفان بقيادة/ يحيى عمران، لذا تم استثناء هاتين المديرتين من الإضراب وذلك حتى لا يفشل الاتجاه نحو السودنة.
ومن
لطائف القدر في دور الشرطة الوطني في بواكير الكفاح الوطني أن نمت أسرٌ شرطيةٌ
تكونت عبر الجد والأب والحفيد في سلك الشرطة، عنوانها الضابط شرطة/ جَلِيْ الجد والضابط
شرطة/ البلَّال العوض، ثم أبناءهم الضباط الرشيد جَلِيْ وحسين البلَّال ومن بعدهم
أبناءهم الضابط شرطة أحمد الرشيد جَلِيْ والضابط عادل حسين البلَّال. لقد كان
لجدود هاتين الأسرتين وهم الضابط شرطة/ جَلِيْ الجد والضابط شرطة/ البلَّال العوض،
الدور الكبير في كسر سياسة الاستعمار في الشرطة والتي أرادت بها أن تكون سياجاً
يحميها من الشعب فأسست قانونين للشرطة؛ الأول خاصٌ بضباط الشرطة يعزلهم عن ضباط
الصف والجنود والثاني خاص بضباط الصف والجنود يجعل منهم قوة أميَّةً طيِّعةً
يوجهها ضد من شاء من فئات الشعب عملاً بنظريتها المعلومة في سياسة الشعوب "فرِّقْ
تسُدْ"، وامتداداً لسياسة اللورد كرومر الحاكم الأعلى لمصر والسودان، حيث كان
كرومر يوجه دائماًالشفيع أحمد الشيخ
أن يقتصر التعليم على النفر الذي تحتاجه الدولة في تسيير
وظائفها، وإضعافاً للحركة الوطنية، وقد كان كرومر لديه اعتقاد جازم بأن تبعات التعليم
الطبيعية هي ميلاد طبقة وطنية تسعى للتخلص من الحكم الأجنبي،
ففطن الضابطان "جلي" و"البلَّال" لهذا الكيد، وعلموا أنهم لا
يستطيعون العمل الوطني وهم بمعزل عن جنودهم وضباط الصف فعملوا على تغيير السياسة
التكوينية للشرطة تلك بسياسة تستهدي بقول الله تعالى:﴿وَاعْتَصِمُوا
بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ واستطاعا
تجنيد أول دفعاتٍ من المتعلمين من خريجي المدارس الابتدائية وخريجي الخلاوي فتفاعلوا
في إخراج ذلك الإضراب الذي أظهر الدور الوطني للشرطة عبر واجهتين الأولى ذلك الفكر
الوطني لضباط الشرطة الذي خطط لتجنيد المتعلمين تعبئة للنضال ضد المستعمر والثانية
تنفيذ الإضراب بإجماع قوة الشرطة عدا من أرادت هي للمصالح الوطنية تجنيبهم
المشاركة فيه.
ومما
تقدم يلاحظ قومية الإضراب من خلال الاهتمام بقضية جنوب السودان المعزول بسياسة
"المناطق المقفولة"، وقضية السودنة والحرص على إنجاحها وإتمام مشروعها
الوطني، كذلك نجاح الإضراب بإجماع الشرطة.
وقد جاءت
توصيات البحث ونتائجه في النقاط التالية:
1.
ضرورة دعم الثقة بين المواطنين والشرطة من خلال إعادة كتاب
التاريخ للشرطة لتسليط الضوء على الجوانب الوطنية المشرفة بتاريخ الشرطة. والتي عتَّم
عليها الاستعمار لخدمة أغراضه.
2.
ضرورة قيام جمعية للسلامة والأمن ضمن منهج النشاط نظراً لكثرة
حوادث المرور والكوارث، كالفيضانات والزلازل الأخيرة، حيث تبرز أهمية تربية الفرد
للمحافظة على حياته وحياة الآخرين.
3.
التربية التشريعية أخذت طريقها للمنهج من خلال مقرر التربية الإسلامية
للمرحلة الثانوية مصادفة. وليس بسابق تخطيط، لذلك جاءت مبتورة، ولم توازن بين
العلم والعمل والمعاصرة. وعليه، يوصي الباحث بضرورة مراجعتها لمعالجة النقص وسد
الثغرات في المنهج.
4.
التربية العقارية، برغم أنها شيء أصيل في صور التربية
الإسلامية، إلا أنها لم توظف بصورة فاعلة في المنهج، فيكفي أنه عند تناول الحدود
في مقرر التربية الإسلامية في المرحلة الثانوية أغفل حد الخمر رغم أهميته وخطورته،
وعليه تضحى هنالك ضرورة للاستفادة من إمكانيات التربية الإسلامية وتوظيفها لإحداث
تربية عقارية فعالة من خلال المنهج التعليمي. ويكفي أن )الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ
وَالْمُنْكَرِ(.
أثبتت الدراسة فعالية التربية الإسلامية في مجال الحد من الجريمة، وعليه فمن الممكن زيادة جرعة التربية الإسلامية في المنهج دون زيادة في الحصص المقررة للمادة وذلك بالخروج من منهج المواد الدراسية المنفصلة المتبع حالياً، وتبني المنهج المحوري، حيث يتسنى توظيف التربية الإسلامية بصورة فاعلة في مجال الحد من الجريمة من خلال المنهج الدراسي.














