أحمد إدريس...
أحاديث الزمان والإنسان (4)
كلية الشرطة السودانية ... تاريخٌ وتجربة (ب)
تطرزت
البيئة المجتمعية لحي بانت شرق - بين الخمسينات والسبعينات من القرن الماضي-
بالشرطة والجيش من نواحيها، فحيثما التفتَّ أسرك مشهدٌ يتصل بهذين السوارين. كما أحاطت
بمنزلنا فيه تلك الحضوريات من مشهد الأميرلاي يوسف إدريس عبد الكريم في بيتنا وهو في
زيه العسكري وحيويته الأسرية، ومن مأثور المشاهد العسكرية من يوميات الجيش
والبوليس، ومشاركاتنا الشعورية والبدنية – نحن أطفالَ الحي – للجماعات العسكرية في
تدريبها واستعراضها، وحضورنا – نحن شبابَ الحي – في أنديتها، ومخالطتنا الاجتماعية
– نحن سكانَ الحي – لبيوتات أسر العسكريين من الشرطة والجيش المستأجرين لِمساكن
الحي مِن حولنا. كل تلك الحضوريات أثرت في تكويننا الذهني بالتطلع لأكون ضابطاً نظامياً،
فالإنسان ابن بيئته يتفاعل فيها تأثُّراً وتأثيراً. غير أن السبيل إلى إحدى
الحسنيين – الكلية الحربية وكلية الشرطة – ما كان ليتيسر لمثلنا نحن الذين نفتقد
الوسيلة والواسطة إلى هرمي الحزبين العتيدين يومها – حزب الأمة والاتحادي الديمقراطي
– اللذين كانا يقتسمان قائمة المرشحين لهاتين الكليتين، حتى إذا ما قامت ثورة مايو
وفتح الرئيس النميري أبواب الكليتين على مصراعيهما للعامة، صار لقدرنا أن يستجيب
لتقديمي لكلية الشرطة في الدفعة الثالثة للخريجين الجامعيين الثمانية والخمسين الذين
طلبتهم الكلية للانضمام، فكنا في عِداد الدفعة (31) حسب السجل الوثائقي لخريجي
كلية الشرطة والتي آلت إلى الدفعة (36)، وذلك في الأول من أبريل من العام 1972م.
لم تتخلل
العام الذي أمضيناه في الكلية قبل تخرجنا في العشرين من مارس من العام 1973م أحداثٌ
تذكر، كما أننا كنا متقاربين في مستوى التحصيل الأكاديمي فيها لكن تباينا في الأداء
العسكري - وهو محط إعجاب المدربين والتعلمجية - فكان أول الطابور منا هو المرحوم علي
سر الختم، فكان تعداد الدفعة ثمانية وخمسين فرداً هم:
1-
السيد/ إبراهيم سيد عبد الله
2- السيد/ أحمد إدريس أحمد
3- السيد/ أحمد الحسين عبد الرحمن
4- السيد/ أسامة أحمد عبد الله
5- السيد/ إسماعيل محمد عبد الدافع
6- السيد/ السماني أحمد حمد النيل
7- السيد/ الشكري محمد علي
8- السيد/ المكي محمد أحمد المكي
9- السيد/ بابكر عمر الفكي
10- السيد/ حيدر سليمان مدني
11- السيد/ خميس عوض مرجان
12- السيد/ راجي جعفر غندور
13- السيد/ ساتي عبد القادر ساتي
14- السيد/ صلاح الدين أبوزيد
15- السيد/ صلاح الدين عبد الفراج
16- السيد/ عبد الرحمن الخواض
17- السيد/ عبد الرحيم آدم هارون
18- السيد/ عبد الرحيم يوسف عثمان
19- السيد/ عبد الرؤوف عثمان أحمد
20- السيد/ عبد العزيز أحمد خيري
21- السيد/ عبد القادر أحمد ناصر
22- السيد/ عبد القادر محمد يوسف
23- السيد/ عبد الله عبد الرحمن الشريف
24- السيد/ عبد الله علي عثمان
25- السيد/ عبد الله محمد بابكر
26- السيد/ عبد المنعم حسن عبد الرحمن
27- السيد/ عثمان محمد الخواض
28- السيد/ عصمت أحمد بابكر
29- السيد/ علي سر الختم
30- السيد/ علي عبد اللطيف علي
31- السيد/ عوض السيد عبيد آدم
32- السيد/ فاروق عبد الله حمزة
33- السيد/ فتح الرحمن بلال
34- السيد/ قسم الله عباس خلف الله
35- السيد/ كمال أحمد حسن
36-
السيد/ مأمون
السيد إدريس
37- السيد/ محجوب خوجلي إسماعيل
38- السيد/ محجوب سيد بشير
39- السيد/ محمد إبراهيم محمد
40- السيد/ محمد الأمين الحاج
41- السيد/ محمد الباقر حسن فرح
42- السيد/ محمد سعد محمد ونَّان
43- السيد/ محمد صالح محمد علي
44- السيد/ محمد عبد الرحمن وراق
45- السيد/ محمد عبد المنعم حسن
46- السيد/ محمد علي محمد البصري
47- السيد/ محمد عمر أحمد الأمين
48- السيد/ محمد مصطفى محمد
49- السيد/ محمود سامي محمد
50- السيد/ مدني عبد الرحمن تاج الدين
51- السيد/ مصطفى عبد الجبار أحمد
52- السيد/ مصطفى مختار عمر
53- السيد/ مصطفي أحمد الفضل
54- السيد/ معتصم عثمان حسن
55- السيد/ ميرغني الفكي أحمد
56- السيد/ نكولا بوبا لازور
57- السيد/ نور الدين حسين أحمد حسين
58- السيد/ يحي أبو بكر محمود
لقد
تخللت التدريب الطرفة في كثيرٍ من مواقفه، فعلى الرغم من تلقينا التدريب على
مدربين أكفاء وعلى مستوى جيدٍ من التعليم إلا أن فئة "التعلمجية" – وهم من
ضباط الصف غالباً أو ضباط التأهيلية الذين قلت درجتهم التعليمية- كانت تؤثر عنهم
الفكاهة عبر سَقَطاتٍ وزلات اللسان، فمن ذلك أن "التعلمجي" لقبني بـ"فكهاني
الدفعة" ووجه الطُرفة في ذلك أن "الفكهاني" هو بائع الفواكه، أما
الوصف للمكثر من الطُرَف هو "الطريف" أو "الظريف" لكن
"التعلمجية" درجوا على تأليف المصطلحات كما يحلو لهم.
![]() |
| الفريق بروفيسور عبد اللطيف عشميق |
عشميق ودكتور عبد الفتاح العميري وأربعة من الأطباء كلهم في تخصص الأسنان، فعلّقت بالسؤال:(هذا المستشفى يُعَضُّ عليه بالنواجذ؟)، فضحك الجمع.
وقد مكثنا
في الكلية فترة (الحبس Confinement) أربعين يوماً للانتقال من الحياة المدنية
البحتة إلى الحياة النظامية، ثم تم اختيار بعض أفراد الدفعة المتميزين في التدريب
العسكري للمشاركة في عرض الطابور لاحتفالات أعياد "ثورة مايو" وكنت أحد
المختارين. ثم ابتعثت مع ستة من الدفعة "للتدريب خارج الولاية" إلى
ولاية البحر الأحمر لمدة ستة أشهر . وبعد عودتنا تم استيعابنا في المباحث، فعملت
بقسم التحقيق ثم مكتب مطار الخرطوم.
كان
شعور الضباط الجامعيين في الشرطة مفعماً بالامتياز لكونهم كانوا يجدون فرصاً للدراسات
العليا من بعد، كما أن وضعهم الوظيفي كان أرفع من غيرهم كونهم يعادلون موظفي
الدولة في الدرجة (Q) أما حملة الشهادة السودانية من الضباط فمدخل
للخدمة عبر الدرجة (S) وعليهم إمضاء أربع سنين حتى يترقوا إلى الدرجة
(Q)،
ولذلك كان الضباط الجامعيين يتسيدون وظائف وزارة الداخلية، فكان وكيل الوزارة دوماً
من الضباط الجامعيين الإداريين لأنهم يسبقون غيرهم من ضباط الشرطة في درجة المؤهل،
لأن الشرطة كانوا من حملة الشهادة السودانية والإداريين جامعيين. وحينما قامت وزارة
الحكم المحلي انفرد بها الضباط الإداريين.
بدأت العمل
بعد تخرجي في كلية الشرطة في العام 1973 بإدارة المباحث الجنائية قسم التحقيق
الجنائي، وكان مديره يومذاك العقيد بله عبد الله الحاردلو، الذي أصبح بعد تقاعده
سفيراً للسودان بالصين ثم عضواً بمفوضية الانتخابات العام 2010 – 2015م، رحمه الله
تعالى رحمة واسعة. وذات مرةٍ وأنا في قسم التحقيق رفعتُ ملفاً للضابط الأعلى المقدم
– حينها - أحمد فتح الرحمن – رحمه الله تعالى بقدر شجاعته التي أكبرتها منه في هذا
الموقف الذي سأحكيه – فقد أخطأتُ في ذاك الملف فيما يتعلق بالحدود الإدارية لبعض "المديريات"،
الأمر الذي ينبني عليه مبدأ الاختصاص القضائي، فاستدعاني وساءلني بقوله: (إنت ما
بتعرف جغرافية)، فاعتذرتُ له بأن هذا "الاختصاص" تحدده الحدود الإدارية
وليست الجغرافيا، وانتهى الأمر على ذلك، فالمساءلة وحتى التوبيخ الشفهي هو
توجيهٌ مقبول إيجازياً، أو تسير المحاسبة
بإجراءاتها غير الإيجازية وتدوَّن الدفوعات عندها، غير أني تفاجأت بأنه كتب في
ظاهر الملف عبارة: (فَتِّحْ عِيْنَكْ)، وهذا أولاً: ليس إجراءً إيجازياً، وثانياً:
فإن هذا الملف يحمله "المراسلة" ويطَّلع عليه "صف الضباط" والزملاء،
وينال من مكانتي المحترمة بين القوة، ولذلك تحدثت إليه في هذا وقلت له:(إنت فتِّح
عينك)، وأوقفتُ الأمر بذلك أن يصل إلى القيادة الأعلى ففيها مَن سيؤيده عن غير
هدىً على ازدراء الضباط بحسبان ذلك من الانضباط المطلوب. ودارت الأيام والسنين ثم تقابلنا بعد تقاعده ذات
يومٍ في وزارة الداخلية، فاحتضني وهو يردد (فَتِّحْ عِيْنَكْ) (فَتِّحْ عِيْنَكْ)،
فتعلمت من ذلك الكثير، أهمه فضيلة الرجوع إلى الحق والاعتراف به.
![]() |
| حسين عثمان أبو عفان |
على
الرغم من كون الشرطة هي "قوة نظامية مدنية" غير أن مفهوم الانضباط فيها
يغاير المفهوم لدى القوة العسكرية الأولى وهي الجيش، فبينما مفهوم الانضباط في
الجيش يعني طاعة القائد الأعلى رتبةً طاعةً عمياء – هكذا يصرفها العرف العسكري - فإنه
في الشرطة يعني الطاعة على خلفية شرعية التوجيهات، فلا طاعة لتوجيه
خالف القوانين
والنظم، وقد يخضع المنفذ للمساءلة ومن ثم تحمل كامل المسؤولية عن تصرفاته ولو كانت
على ضوء توجيه أعلى، إن كان هذا التوجيه مخالفاً للشرعية. وهذا الأمر يغيب عن
الكثيرين حتى من المنتسبين للشرطة بل قد يغيب عن كثيرٍ من القادة، وهو الأمر الذي
جلب لي متاعب جمةً في تجربتي الشرطية لكن لم يكن من سبيلٍ للتصرف معي فيها سوى
بالنقل التعسفي الذي تجرعت قبوله مراتٍ، وكان من أسباب استقالتي التي ختمت هذه
التجربة على النحو الذي يرد إن شاء الله.
ثم
نُقلت للعمل بمكتب المباحث بمطار الخرطوم، بعد عودة المباحث الجنائية لوزارة الداخلية
بعد ذهاب حكم الرئيس نميري.
فقد كان "البوليس السري" في العهود التي سبقت حكم الرئيس نميري هو المطلع بالأمن العام بما فيه العمل السياسي باعتباره نشاطاً مدنياً تطلع بمراقبته الشرطة في الدول المحكومة مدنياً، فنشأ في العهد الديمقراطي الأول بالسودان "بوليس الأمن العام في عام 1964م. غير أن عهد الرئيس نميري العسكري شهد قيام جهاز الأمن العام المستقل عن الجيش والشرطة ليقوم بمهام الشرطة في تلك الشؤون، في العام 1970م إذ تم تكوين "جهاز الأمن القومي" الذي قام بتأسيسه الرائد مأمون عوض أبو زيد وهو المؤشر لتحول عمل المخابرات والأمن من البوليس للجيش. وفي العام 1978م تم تأسيس "جهاز أمن الدولة" تحت قيادة اللواء أركانحرب عمر محمد الطيب، وبذلك ألغيت "شرطة المباحث الجنائية" لتعود مجددةً ومطورةً على يد العبقرية الشرطية سعادة العميد قرشي فارس الذي
كان المشرف على دفعتنا الدفعة (31) بكلية
الشرطة، وحينما كلف بإعادة شرطة المباحث الجنائية على إثر القرار الشهير بحل
"جهاز أمن مايو"، فطور المباحث الجنائية بصورة علمية وذلك باستحداث
"التحقيق في جرائم القتل الغامضة" بفريق متفرغ لها، وأوجد كفاءات من الجامعيين
المختصين للسجلات الجنائية ليصدروا "التقرير الجنائي اليومي" و"التقرير
الجنائي الشهري" و"التقرير الجنائي السنوي" - وتلك التي أفادتني في
بحثي لنيل درجة الماجستير فأفدت من سجلات "معتادي الإجرام" أخضعت
ثلاثمائة استمارة منها من أصل خمسة آلاف استمارةٍ للدراسة والتحليل – كما استحدث
العميد قرشي فارس فريق دراسة الأساليب الإجرامية للمجرمين وتصنيفهم حسب اختصاصاتهم
في الإجرام ودوائر اختصاصاتهم الجغرافية في الجرائم. كما استحدث تحقيق الشخصية
بالبصمة وغيرها واستحدث المعامل الجنائية في المباحث. وفعَّل عضوية السودان في
البوليس الدولي "الإنتربول" بتبادل معلومات الجرائم المنظمة إقليمياً
ودولياً.
الرائد/ مأمون عوض أبو زيد
![]() |
| الفريق شرطة صلاح ميرغني علي التوم |
![]() |
| العميد شرطة قرشي فارس |
![]() |
| لواء/ محمد عبد الملك الطاش |
وعملي بالمكتب السري للمباحث هو الذي هيأ لي النقل إلى المكتب السري برئاسة الشرطة، حيث مطبخ القرارات إذ يتم فيه إعداد مقررات الاجتماعات وصياغة المذكرات ومسودات القرارات، وبذلك يتصل القائم على المكتب السري لرئاسة الشرطة بمدير عام الشرطة ومدير المكتب التنفيذي لوزير الداخلية. وقد شاركت في صياغة عدد من القرارات المهمة.
وبقيت بالمكتب السري للمباحث حتى مجيئ اللواء عباس مدني – حينها - مديراً
عاماً ونائبه اللواء إبراهيم أحمد عبد الكريم الذي نقلني إلى "الإنتربول"
الذي هو جزء من المباحث، وذلك بسبب أمرٍ أحدث توتراً كبيراً في علاقتي بالمدير اللواء
عباس مدني، وحاصل الأمر أنه أصدر توجيهاً لي عبر سكرتيره النقيب حينها وأنا أدير
المك
الفريق أول/ عباس مدني
تب السري بإيصال "يومية الحوادث" - التي يصدرها قسم السجلات
الجنائية التابعة للمباحث و"إدارة الإحصاء الجنائي" فيها، ولا شأن للمكتب
السري بها ولا لي غير أن صورةً منها ترِدُ إلينا في المكتب السري لنرسل منها صوراً
للجهات المختصة فهي ليست من اختصاصنا، كما أنها في آخر الأمر تُنشر في الجريدة
الرسمية فهي ليست شأناً سرياً يلي "المكتب السري"، وبما أن "الإحصاء
الجنائي" يتبع لمدير المباحث الجنائية فمن الطبيعي أن يوجه الأمر للضابط
المسؤول عنها لتوصيل اليومية- بل أمر اللواء عباس مدني أن أوصلها بشخصي إلى النائب
العام حينها مولانا مهدي الفحل، كان ذلك في العام 1979م – وقد صارت المباحث الجنائية
تتبع للنائب العام حسب قرار رئيس الجمهورية النميري ذلك القرار الذي ألغى وزارة
الداخلية – وعادةً ما أقوم بإرسال هذه اليومية إلى مكتب وزير الداخلية - "مفتش
الشرطة" حينها- وغيره من الجهات المختصة مع المساعد شرطة/ حسين، وعليه أرسلت
التوصيات للنائب العام/ مهدي الفحل مع المساعد/ حسين. فاتصل النائب العام من مجلس
القضاء العالي وطلب إرسال "يومية الحوادث" له في المجلس. وقد فهمت مقصده
من ذلك وهو الاستعراض بضباط الشرطة وهم يحيونه أمام الملأ، فقمت بإرسال اليومية له
مع المساعد/ حسين كعادتنا في ذلك. وقانون الشرطة لا يجيز استخدام الشرطي أو تكليفه
بما لا يختص به من أعمال، كما أنه ليس من طبيعة عملي "المراسلة" ولو كان
إعداد اليومية مما يلي أعمالي لكان من السائغ أن أوصلها لأية جهة بنفسي لعلها تطلب
استعلاماً عن أمرٍ ما تحتويه. ثم استدعاني اللواء عباس مدني – رحمه الله تعالى –
واستوضحني فأجبته بما أراه. فغضب جداً وطلب مجيء نائبه اللواء إبراهيم أحمد عبد
الكريم – الذي درَّسنا في دورات الشرطة – فدافع عني بأني لا يتوجب عليَّ معرفة
مجلس القضاء العالي، فضابط المباحث يعرف المحاكم لا سواها من المؤسسات العدلية،
لكن اللواء عباس كيَّف الأمر بأنه عدم انضباط وتوعّد بإعادة الانضباط.
![]() |
| عمر عشرية |
لقد أورثني إيماني بالعمل الشرطي غيرةً على الشرطة وانتماءً لشعاراتها إلى حد كوني استلهمت تسمية أولادي
![]() |
| الفريق فيصل محمد خليل |
ثم من بعد ذلك وذات مرةٍ وأنا مناوبٌ ضابطاً عظيماً في رئاسة الشرطة دخل عليَّ اللواء فيصل خليل – مدير الإدارة العامة حينها، وكان راجل حقَّاني أراد حمايتي من اللواء عباس مدني– فسألني هل تريد النقل إلى شرطة ولاية الخرطوم؟ فأجبت بالقبول، فنقلني إلى رئاسة شرطة القسم الأوسط بأم درمان.
وكان مدير شرطة محافظة أم درمان حينها اللواء محمد صالح المهل، وكانت من عادته أن يطوف أحياء أم درمان وحاراتها ليلاً لتفتيش المراكز، فكم من مرةٍ صادفته أو صادفه زميلي العميد صالح الجاك أثناء نبطشيتنا، فصار يعتمد علينا. ثم طلب مني تولي رئاسة قسم أم بدة – فقد كانت تزعجه – فقبلتُ مشترطاً أن أكون مستقلاً عن القسم الجنوبي – وكان قسم أم بدة - يتبع للقسم الجنوبي – وذلك لبعده، كما اشترطت تزويد القسم بعربة حوادث لكثرة إجراءات حوادث القتل؛ من استجلاب شهود أو مراجعة المستشفيات أو ضبط متهمين، فخصص للقسم "لوري" جديد ماركة "أوستن". وكانت أم بدة في مساحتها المخططة للسكن قليلة المساكن ولكن السكن العشوائي كان كثيراً ولذلك كان الأمن فيها مضطرباً وكانت قبائل مختلفة تسكن أم بدة منها القريات والدناقلة والفلاتة والشوايقة والهواوير.
وأذكر أنني
في تلك الحقبة قضيت أيام العيد بالقسم ولم أزر أهلي لأحداث وقعت قبله بين الفلاتة والقريات
بسبب نزاعٍ حول بئر خلَّف اثنين من القتلى ومجموعة من المصابين. وأمضيتُ أيام العيد
في القسم بين استجواب الشهود أو ضبط المتهمين، كما كان القسم محاصراً بعدد كبير من
المؤيدين للطرفين الأمر الذي دعاني للاستعانة بقوة الاحتياطي المركزي. وقسم أم بدة
من الأقسام التي يضطر فيها ضابط المباحث إلى تطبيق كل قانون الإجراءات الجنائية.
محمد صالح المهل 
العميد/ صالح الجاك
![]() |
| نقيب الجنايات/ أحمد إدريس أحمد يوسف |












