إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

السبت، 16 مايو 2026

 الأستاذ اللواء/

    أحمد إدريس...

أحاديث الزمان والإنسان (4)

كلية الشرطة السودانية ...

 تاريخٌ وتجربة (د)

في شهر يوليو من العام 1996م أصدر المدير العام الفريق أول عبد المنعم سيد سليمان قراراً يناقض كثيراً من النظم الإدارية والأعراف المهنية بنقلي مديراً لشرطة الولاية الشمالية، فتقدمت بطلب سلفيةٍ خصماً على المعاش أقابل بها التزاماتي في إدارة الشرطة بحسبان توقعي بأني سأكون قبلة كثيرٍ من الزائرين لحاجة ولغير حاجة، إلا أن المدير رفض طلبي إمعاناً في الخصومة والامتهان، برغم استحقاقي لتلك السلفية بحكم أقدميتي المهنية. فدخلت إلى نائب المدير العام الفريق أول صلاح ميرغني معترضاً على النقل إلا أن يستجاب لطلبي بالسلفية. فقال لي: نفِّذ ثم اعترض، وأمر لي بتذاكر الطيران ذهاباً وإياباً للولاية الشمالية تنفيذاً لقرار المدير العام. قمت بتنفيذ قرار النقل إلى الولاية فمكثت بها أسبوعاً استلمت فيه مرافقها وتلقيت تقارير عن قادة الوحدات ثم قفلت راجعاً إلى الخرطوم لأنقل كل ما لي فيها سوى حوائط منزلنا إصراراً على العيش في الولاية الشمالية بصورة تامة، وقد كلفت في هذا الأسبوع الأخ العقيد عمر محمد إبراهيم مدير الجوازات في الولاية، بالتقديم إنابة عني لشراء مساحة زراعية في ذلك العطاء الذي أعلنت فيه وزارة الزراعة بالولاية الشمالية عن بيع حصتها من الشراكة في مشروع "إكثار البذور" بمدينة دنقلا، ذلك المشروع الذي شاركت فيه الوزارة الشركة العربية لإكثار البذور.

بعد عودتي للخرطوم دلفتُ إلى مكتب الفريق أول صلاح ميرغني – نائب المدير العام – فاستقبلني مرحباً فإذا بنا نفاجأ بالسيد الفريق أول ركن/ بكري حسن صالح - وزير الداخلية يومها – زائراً لنائب المدير الذي قدَّمني له بوصفي مدير شرطة الولاية الشمالية الجديد، فحينها أخذ الوزير يطمئنني على ما سألقاه في الولاية ونصحني بألا أكترث من بعض المواطنين من أهله الذين

الفريق أول ركن/ بكري حسن صالح

قد ينقلون له أخبار الولاية وسيرة العاملين بالخدمة العامة فيها، فأخبرته أني من الولاية الشمالية، وحينما علم بأني من بنارتي أخذ يحدثني عن بنارتي وأنه كان يأتيها برفقة والده – أحد شيوخ العمودية وقتها - لمقابلة العمدة في بعض الشؤون، فحدثني عن حدائقها الغنَّاء وجمالِ طبيعتها، ثم لمَّا علم بطلبي للسلفية أمر لي بها، فما كان لي إلا أذهب للولاية تجاوباً مع كرم السيد الوزير، وقد كان لهذا التعامل أكبر الأثر في صبري على العمل تحت إدارة المدير العام 
فيما تبقى لي من خدمة بالشرطة.

لقد تملَّك تفكيري عند حضوري للولاية الشمالية العثور على الدراسات الاجتماعية لمناحي الحياة فيها غير أني لم أجد فيها دراسات اجتماعية، وزوجتي خريجة علم اجتماع، كنت أؤمل أن تفيد الباحثين في الولاية في هذا الشأن. كما كنت أؤمن بضرورة العمل على توفير التعليم الخاص في الولاية، فقد أجريت اتصالاً بمدير "مدارس القبس" لتوطينها في الشمالية، فجاءوا لدراسة الأمر ولم يجدوا الجدوى الاقتصادية التي يطلبون.

لقد وجدت في الولاية الشمالية كل التعاون من حكومتها والتفاعل من منسوبي الشرطة في جميع وحداتها الأمر الذي انعكس على الأداء العام وأثمر كثيراً من الإنجازات برغم قصر المدى الزمني لولايتي على الشرطة فيها.

استهليت عملي في الولاية بدراسة أكبر المهددات الأمنية بالولاية فوجدتها تتمثل في "طريقي الموت" اللذين يمتد أحدهما – وهو الطريق المعروف باسم "طريق المحيلة" - من جنوب الولاية انطلاقاً من مدينة "كريمة" عبر الصحراء إلى مدينة "دنقلا" في نحو ثلاثمائة كليو مترٍ، بينما يصل الثاني مدينة "دنقلا" بالحدود الليبية في نحو ثمانمائة كيلو متر، وقد قضى في هذين الطريقين من أهل الولاية أكثر ممن قضوا من أهلها في حرب جنوب السودان. وعند مجيئي للولاية أخبرت بتلك الحادثة الأليمة التي قضى فيها ركبٌ من المسافرين بين "كريمة" و"دنقلا" كان من بينهم أحد أساتذة جامعة "دنقلا"، فأخذت العزم على الحد من هذا المهدد الأمني فاصطحبت أحد خبراء السائقين من أبناء "كريمة" يدعى "عبد الجليل" وانطلقت أحدد هذا المسار بمعالم بين كل مسافة وأخرى، فوجدت النقطة الأولى المعروفة بـ"البير الأولى" تبعد ساعة زمنية من "كريمة" والنقطة الثانية والمعروفة بـ"البير الثاني" تبعد ساعتين زمنيتين من "كريمة" والنقطة الثالثة وهي مدينة "دنقلا" بعد ساعة كذلك، وقد كان السيد النائب الأول لرئيس الجمهورية المشير الراحل/ الزبير محمد صالح – فيما أ

الشهيد المشير/ الزبير محمد صالح

حسب – قد زوَّد نقطتي "كريمة" و"السليم" بسيارتين بقمرتين مجهزتين بجهاز اتصال "لاسلكي" لطوارئ الضياع، فأصدرت لائحة مرور لهذا الطريق تقضي بتخصيص إحدى السيارتين للمرابطة بمدينة "كريمة" والأخرى بمدينة "دنقلا" في وضع الاستعداد الدائم، وأن تسجل المركبات المتحركة بين "كريمة" و"دنقلا" بأوقات تحركاتها وعدد ركابها وأن يتم فحص محتوياتها لمواجهة أي تأخير طارئ في الطريق ثم يتم إخطار نقاط الوصول بهذا التقرير، وأن يتم تحرك العربتين المخصصتين بالتزامن بحثاً في حالة تأخر أي سيارة متحركة في هذا الطريق لأكثر من ثلاث ساعات إلى نقطة الوصول. فكان لهذا النظام الفضل بعد لطف المولى عز وجل في حقن أرواح الكثيرين في هذا الطريق. كما أصدرت نظاماً مشابهاً لضبط حركة السير بين "دنقلا" والحدود الليبية والتي كان الناس – سيما النساء والأطفال من الركاب - يتعرضون لمدة ثلاثة أيام فيها لأوضاعٍ غير إنسانية من الاستظلال من حر الشمس تحت مركبات الشحن تلفح وجوههم الرمال وتلهب أجسادهم وهج الصحراء وزمهريرها، فمنعت سفر المواطنين إلا في سيارات سفرية تُعد للسفر في الصحراء، وذلك تكريماً للإنسان.

وعلى ذكر تلك السيارتين المهداة من رئاسة الجمهورية للنقطتين، أستطرد في ذكر ما قد يحدث من اختلال في الأمور بسبب تداخل السياسيين في العمل العام، فقد تؤم بعض المواطنين وفداً لمقابلة أحد السياسيين بمطالب لا يسعه المقام إلا أن يستجيب لها وهو لا يحسب كل تبعات تلك الاستجابة، ففي حالة السيارتين هذه - وكانتا سيارتين ذات "قمرتين" - فقد أعطيت الأولى لمدير شرطة المدينة وكان برتبة ملازم فكان يستغلها في الوقت الذي لم تكن لمدير شرطة المحلية سيارةً مخصصة وهو برتبة المقدم. أما السيارة التي خصصت لنقطة "السليم" فقد كان مدير شرطة الولاية التي تقع السليم قريبة من رئاسته يمتطي سيارةً بقمرةٍ واحدة، ولذلك قام مدير شرطة الولاية بعد فراقي المهنة باستبدال سيارته بالسيارة المخصصة لنقطة السليم.

الأمر الثاني الذي شكل أولويات خطتي العاجلة في الشرطة هو الاهتمام بمعاش منسوبيها، إذ أن راتب فرد الشرطة حينها هو سبعة عشر جنيهاً، فلو أنه ذهب للعلاج لذهبت بين الفحص ومقابلة الطبيب، كما أن القوة الشرائية في مدينة دنقلا هي من أعلى المعدلات، بسبب ظاهرة "الاغتراب" بدول الخليج التي فشت بين أهلهم، وقد كان الاستعمار أنشأ بها ما عرف بـ"مشروعات الإعاشة" توطيناً للناس الذين ينزحون عن الولاية كسباً للعيش. فعملتُ على إنعاش الحياة الاقتصادية والاجتماعية لأفراد الشرطة.

وفي جلستي تلك بمكتب السيد نائب المدير بحضرة السيد الوزير أشار عليَّ الوزير بإنشاء مستشفى للشرطة بدنقلا، ووعدني بالكتابة للجهات المختلفة من "جهاز الأمن" و"السلطة القضائية" وحكومة الولاية للمساهمة مالياً في إنشائها، وبيَّن سعادته أن مثل هذا المشروع سيرفع المشقة عن كاهل أفراد الشرطة بها والمواطنين أن يتكلفوا عناء رحلة البحث عن العلاج بالخرطوم، وهو الأمر الذي تحقق بفضل الله ثم بجهود المخلصين من أبناء الولاية سيما الأطباء. وقد أوفى الوزير بوعوده في المكاتبة، فتبرعت القضائية بمبلغ عشرة مليون جنيه لصالح إنشاء المستشفى ومثلها فعل جهاز الأمن بالولاية، بل تبرع الوزير بمبلغ عشرين مليون جنيه دعماً لإنشاء المستشفى.

باستشارة أخصائي النساء والتوليد بمستشفى دنقلا الطبيب/ عصام يعقوب قمت بنقل مدرسة التدريب من موقعها شمال المنطقة الصناعية إلى مساحة تخص الشرطة تقع في جزءٍ من مطار دنقلا القديم الذي يتوسط حي الدرجة الثالثة بها، وهي مساحة كبيرة يصلح المتبقي

الدكتور/ عصام يعقوب (استشاري أمراض النساء)

منها لإنشاء "قشلاق" لسكن منسوبي الشرطة. وقررت إنشاء مستشفى الشرطة في مكان مدرسة التدريب القديم. وباستشارته أيضاً - الطبيب/ عصام يعقوب – قمنا بتخصيص إدارة المدرسة عيادةً للطبيب للكشف وللعمليات الصغيرة والمعمل والصيدلية. أما المطبخ والسفرة فخصَّصناها للولادة الطبيعية، وتمَّ بناء غرفة العمليات ومعداتها، كما أنشأنا غرفاً خاصةً استثماريةً في جناح الولادة مجهزة بثلاجة وتلفزيون.

كما أمدتنا مؤسسة "الخدمة الوطنية" بعدد بطبيبين، وقمنا بزيادة راتب الممرضين ومحضر العمليات والمخدر بمبلغ خمسة وعشرين جنيه علاوةً على راتبهم، كما قمنا بتعيين كادر المعمل من خريجات جامعة أم درمان الإسلامية.

كما قمنا بتعيين بعض الأطباء في رتب الشرطة، فتم تعيين الدكتور عبد الفتاح العميري – أخصائي النساء والتوليد - ودكتور دياب حسين – أخصائي الأطفال - والدكتور ناجي مقلد ـ أخصائي الباطنية - في رتبة العقيد.

زارنا في رئاسة الشرطة بالولاية سعادة اللواء بحري/ سيد الحسين والي ولاية البحر الأحمر – حينها - ودُهش لكون ولاية البحر الأحمر ليس بها مستشفىً للشرطة، وسألني: كيف فعلتموها؟ فأخبرته أن الفضل فيها يرجع للسيد الوزير/ بكري حسن صالح.  

مؤخراً تم تحويل مقر مستشفى الشرطة إلى موقعه الحالي حيث مقر رئاسة الشرطة القديمة، وتم بناؤه بصورة أحدث في ثلاثة طوابق، باشر بناءه اللواء شرطة فضل محمد فضل مدير شرطة الولاية سابقاً وافتتحه سعادة الفريق أول/ عنان حامد محمد المدير العام السابق.

وقد دُعيت بعد تقاعدي لحضور افتتاح المستشفى الجديد وكنت حينها قد أقعدني فقدان بصري جزئياً عن ارتياد المسجد فاستحيت أن أجيب دعوةً وأنا لا أجيب داي الله لبيته، ثم طُلب مني أن أسجل عن تأسيس المستشفى باعتباري المؤسس فخشيت أن تُقتصر الإشاد

الفريق أول/ عنان حتمد محمد

ة في هذا الصرح عليَّ فيُهضم حق الكثيرين الذين شاركوا بفعالية فيه فامتنعت عن ذلك، غير أني ضبطت تشويهاً للحقيقة بأن سُجِّل التوجيه بإنشاء مستشفى الشرطة إلى مدير عام الشرطة وهو غير صحيح بل الصحيح أن الموجِّه كان الوزير حينها/ بكري حسن صالح. وقد علمت فيما بعد أن اللواء طبيب/ دياب حسين – مدير المستشفى – قد أطلق اسمي على جناح فيه عرفاناً لذلك العطاء.

ثم عملتُ على توسيع نشاط وخدمات المتجر والمخبز التابعين للشرطة، فعندما عرضت خطتي تلك بحضرة الوزير في مقابلتي إياه، قال: أبشرْ. وقد كان كما وعد، فقد أوفى عندما طلبت تغيير المخبز فرفدنا بمخبزٍ آليٍ كامل، كان من أوائل المخابز الآلية بالولاية حينها إن لم يكن الأول. كما وسّعنا نشاط المتجر فقد استجلبنا أولى السلع للمتجر من المركز بمبلغ اثني عشر مليون جنيه، أحدثت نقلة كبيرة يومها في نشاط المتجر.

وجدت قوة الشرطة المعينة في الولاية الشمالية تغطي أربعين بالمائة مما يستوجب أن تكون عليه، ويرجع ذلك العزوف عن انضمام المواطنين لها إلى قدر الراتب الضئيل، فقد كان راتب الفرد فيها هو سبعة عشر جنيهاً، وهي تكاد لا تغطي للأسرة الصغيرة حاجتها المعيشية الأسبوعية.

وفي هذا الصدد أذكر أننا ذات يوم استضفنا في دار الشرطة العميد إبراهيم حسن خليل مساعد المدير العام

دكتور/ محمد دياب حسين
 الأسبق، وهو من القادة الأوائل لشرطة السودان بعد الاستقلال، وهو ابن حي الموردة. وتسامرنا في تاريخ الشرطة، وقد ذكر لنا عرضاً أنه قبل استقلال البلاد عاصر الأميرلاي أحمد مجذوب البحاري – وزير الاتصالات في حكومة عبود لاحقاً - وهو قائد سلاح المدفعية عطبرة، فذكر أن مدير شرطة عطبرة كان راتبه كان أكبر من راتب البحاري، ثم تغير الوضع بعد الاستقلال حتى وصل راتب الفرد كما ذكرت إلى هذا الحد الذي أضر بقوة الشرطة ومكانتها الاجتماعية.

كما وجدت تسليح القوة يعتمد على البندقية "ماركة أربعة"، وهذا سلاح استخدم في الحرب العالمية الثانية قبل أكثر من نصف قرن من الزمان، وقد كانت الولاية على تخوم المهدد الأمني العظيم وقتها وهو "النهب المسلح" الذي انتشر في إقليم دارفور وبعض أجزاء "كردفان" المجاورَين، فاستبدلت سلاحها بالبندقية "الكلاشنكوف" أسوة بالشرطة المركزية، كما كونت فصيلة "احتياطي مركزي" لمواجهة الطوارئ الأمنية.

في يونيو 1998م ترقيتُ مع خمسة من دفعتي إلى رتبة اللواء مع الدفعة التي سبقتنا ولحقت بنا بقية الدفعة بعد عام من ذلك التاريخ، كانت معايير الترقي تقوم على الشهادات الأكاديمية وتقارير الأداء التي تحوز غالب الدرجات في ذلك.

زار مدير عام الشرطة الولاية الشمالية، فاستقبلته بمعية الأخ نائب والي الولاية، ورافقته في السيارة المخصصة له لتفقد إدارة الشرطة، فعجبت من تودده لي بعد سجل المعاملة غير الكريمة التي كان ينتهجها معي، ووصل حدُّ تودده أن طلب مني خلع "البوري" - وهي في العرف العسكري إنما تحقُّ للرتبة الأعلى - وقال الجملة الدارجة في التواضع (خَلِّيْ الْبُسَاطْ أَحْمَدِيْ). ثم أردف القول (إن الوزير فوّض إليه شؤون الضباط التي كانت من اختصاصاته مثل منح الإجازات بدون راتب، كما خصص له هاتفه السري، وأن الوزير ذكر له أن الوزير السابق والمدير العام السابق لم يكونا على وفاقٍ الأمر الذي تطلب نقليهما معاً عن مواقعهم، وهي سابقةٌ في تاريخ الشرطة. وأن الوزير نوه بالنظر في مظلمتي لقناعته بوجاهة الاستئناف). وقد أرجعت سبب ذلك التظاهر بالمودة إليَّ أنه علم بأمر التواصل المباشرة للوزير معي، بسبب متابعة الوزير لبعض الخدمات لأهله والتي كان يطلب مني مباشرتها بحكم وجودي في الولاية. فظنّ أن لي حُظوةً عند الوزير. وكنت قد تقدمت باستقالتي فلم يسألني فيها لعلمه بالسبب – مكثت في "دنقلا" عامين إكراماً للوزير الذي عمل لخدمة أهله وكان وزيراً للداخلية بحقٍ، وإلا فقد كنت أنوي الاستقالة بمجرد صدور قرار النقل للولاية الشمالية.

صارت الولاية الشمالية ورئاسة شرطتها في عهدي مرمى التنقلات التعسفية لضباط الشرطة المشهود لهم بالكفاءة والإنجاز، فمن هؤلاء العقيد/ محمد عبد المنعم التلب، مدير نادي الشرطة وصاحب الإنجازات الأظهر في مرافق النادي، فقد أنشأ الاستثمارات فيه من محطة وقود وكافتيريا فاخر والصيدلية الشعبية ومكتب طباعة وسوبر ماركت. وعلمت أن سبب نقله كان خلافاً بينه وأحد ال

اللواء خالد بن الوليد

نافذين في الشرطة الذي حاول الاستبداد ببعض منافع النادي فرفض التلب ذلك الطلب، فنقل على إثرها. وفي حادثة أخرى نُقل إلينا ضابط قادم من دولة عمان كان يعمل بجوازات السفارة فيها، فتلقاه قرار النقل وهو يحط رحله بمطار الخرطوم من غير مهلة يتفقد فيها أهله في الخرطوم. ومن هؤلاء أيضاً ضابط المرور الشهير خالد بن الوليد. لقد كان السؤال الشائع الذي يُستقبل به المنقولون إلينا هو (إنت عملت شنو نقلوك للولاية الشمالية؟).

وبحكم موقعي في رئاسة شرطة الولاية الشمالية صرت عضواً بمجلس إدارة جامعة "دنقلا" الذي كان يرأسه حينها السيد/ عز الدين السيد، وبهذا بدأت علاقتي بجامعة "دنقلا" قبل أن أنتسب عضواً بهيئة تدريسها. وقد مكنتني هذه التجربة في عضوية مجلس الجامعة الاهتمام بقوانين ولوائح التعليم العالي والجامعة، وقد أخذ هذه العضوية بقوة الأمانة الاجتماعية لرجلٍ أراد به القدر أن يأتي خادماً لمجتمع أصولِهِ بِرَاً بهم وصلةً لرحمٍ بقيت بعدهم، فلم أشأ أن أتغافل

عن نهضة هذه الديار ورفعتها، وقد رأيت أن المعول الكبير لتلك النهضة هي هذه الجامعة. ولكن لم تكن لتلك الهيئة أن تنجح في هذا المشروع بأدائها ذلك الذي آلمني جداً، وقد يتيح لي العمر أن أستفيض في توثيقها على نحوٍ ناقدٍ آمل به رِفْعةً لبلدي لا وَضْعةً لأحد.

وقد كنت في مستهل حضوري للولاية زرت السيد/ محمد الكامل الإدريسي شيخ السجادة الإدريسية في منزله بناحية "بَيُّوْضْ" بمدينة "أرقو"، وذلك لكونه أحد أهم الشخصيات الاجتماعية في السودان فضلاً عن الولاية الشمالية، ومن جهةٍ أخرى فقد كان السادة الأدارسة – ومنهم السيد محمد الكامل – محط تقدير وإجلال آبائنا م

السيد/ كامل الإدريسي

ن أهل "بنارتي"، ومن باب البرِّ بهم وجوب برِّ أهل مودتهم عملاً بالسنة النبوية الشريفة. وقد قام السيد/ محمد الكامل بردِّ هذه الزيارة لي في منزلي عشرات المرات، فقد كان – رحمه الله تعالى - رجلاً أصيلاً محبوباً كريماً، أسعد الله بمعرفته أعوامنا في الولاية الشمالية.

وفي ذات العام 1998م الذي ترقيت فيه لرتبة اللواء تقدمت باستقالتي من الشرطة وأنا في أوج إخلاصي وحبي لها من جهةٍ ومن جهةٍ أخرى إشفاقي على آثار المشاحنة بيني والمدير العام، فقد كان مبعث إصراري على الاستقالة في المقام الأول هو فقدان التعاون مع مدير عام الشرطة، الأمر الذي كان سيضر ضرراً بالغاً بما أتولاه من إدارات في الشرطة ومن يعملون معي، كما أن التعاون مع المديرين هو أساس التقويم في تقارير الأداء، فقد رأيتُ وقد انعدم هذا التعاون مع المدير العام أن الأمانة تقتضي أن أتنحى عن سبيله. وعلى الرغم من شعوري بالظلم الواقع بنقلي من الأكاديمية العليا إضراراً، ومخالفةً لموجهات الإستراتيجية القومية في شأن العمل الشرطي والقاضية ببقاء حملة الدرجات فوق الجامعية – على قلتهم – بالأكاديمية، إلا أني كذلك لم ألمس أي داعٍ أمني لنقلي لولاية تخلو من أي مهددٍ أمني إلا الإضرار، فتقدمت باستقالتي وأنا أتمثل قول الشاعر:

ولا يقيمُ على ضيمٍ أريد به

        إلا الأذلان عيرُ الحي والوتد

ومبعث الاستهداف من المدير العام لشخصي جاء على خلفية أمرين، أولهما هو مذكرة التدريب التي قمت بإعدادها بشأن امتحانات الترقيات والتي أثنى عليها نائب المدير العام يومها، وكان مدير التدريب العام - رئيسي المباشر وهو من منتسبي الدفعة (27) دفعة المدير العام، حذرني من التنويه بمسألة الامتحانات التي كانت عثرةً للمدير العام في مسيرته المهنية، برغم حصوله على درجة الدكتوراة من جامعة أم درمان الإسلامية– طالباً إثنائي عن المذكرة غير أني رأيت السير فيها وبعثت بها للسيد المدير.

وعلى ذكر إدارة التدريب في الشرطة فإن التدريب على ذك العهد كان يشمل: تدريب الضباط والرتب الأخرى، ومعهد الضباط، ومعهد الرتب الأخرى، وكلية الشرطة، بالإضافة إلى أكاديمية الشرطة. وكان الهدف الإستراتيجي من ابتعاثنا للدراسة فوق الجامعية هو إحلالنا في الأكاديمية للأساتذة الأكاديميين المتعاونين من الجامعات والمعاهد العليا.

والأمر الثاني كان أن أعددتُ – وأنا في إدارة تدريب الضباط - قائمةً للتدريب لدراسة "تقانة المعلومات" - التخصص الحديث وقتها في العام 1996م- وذلك بمركز يتبع لجامعة الجزيرة مقيماً بشارع محمد نجيب بالخرطوم، وكانت القائمة تضم سبعين ضابطاً من إدارات الشرطة التي حول الخرطوم، وقد استوضحني نائب المدير عن سبب اقتصار القائمة على المنتسبين لإدارات ولاية الخرطوم، فأوضحت له سبب ذلك أنها مرتبطة بالميزانية المقررة للعالم المالي الذي أزف على الانتهاء، وأن الولايات ستعالج في الميزانية القادمة فأثنى على التصرف وشكره. إلا أن الوزير رفضها وحسب إصرار المبتعثين على الاستفادة من الفرصة موجهاً ضده، وخلافاً لمقررات وتوجيهات الإستراتيجية القومية للشرطة والقاضية ببقاء كبار الضباط بأكاديمية الشرطة فقد قرر المدير العام في يوليو 1996م نقلي تعسفاً وسوء استخدام لسلطة مديراً لشرطة الولاية الشمالية، وهذا معارض للقانون الذي هو عهد وميثاق ولذلك يمهر بواسطة رئيس الوزراء، والنقل بهذه الطريقة وسيلة غير "كريمة" للتعامل مع الضابط الذي لا تجد سبيل لمحاسبته على تهمة غير ثابتة فتلجأ لنقله لمنطقة شدة، وقد عُرِفت الولاية الشمالية بأنها "منطقة شدة" منذ عهد الاستعمار الذي أسس بها مشاريع الإعاشة لتوطين أهلها ووقف الهدر السكاني بهجرة أهلها عنها، ولم أعلم بخبر نقلي إلا من خلال "كشف التنقلات". وإمعاناً منه في الإضرار فقد رفض طلبي بتصديق سلفية خصماً على المعاش، وقد كنت أستحقها بحكم الرتبة وبحكم الأقدمية لكنه رفضها، فأصررت على ربط تنفيذي للنقل بتصديق السلفية حتى تدخل الوزير وأمر بصرفها. وهذه السلفية إنما هي وسيلتي للقيام بمهام مدير عام الشرطة في ولايةً هي أكثر ولاية في السودان غلاءً وسأكون باسم الشرطة فيها قبلةً لأهلي القادمين إلى عاصمتها استشفاءً وتعليماً ومعبراً للسفر عبر مطارها ونزولاً لمغتربيها بمنزلي، علاوةً على استقبالي لوفود الشرطة المركزيين وإكرام الزملاء والقادة، فهي سدٌ لتلك الثغور التي أجملها المقنع الكندي بقوله:

يُعاتِبُني في الدَّيْنِ قومي وإنَّما     دُيونيَ في أشياءَ تُكسِبُهُمْ حَمْدَا

أَسُدُّ بِهِ ما قَد أَخَلّوا وَضَيَّـــــعوا    ثُغورَ حُقوقٍ ما أَطاقوا لَها سَدّا

وجد قضاء النقل المتعسف هذا في نفسي قبولاً فقد وجدت به فرصةً أخدم بها أهلي في هذه الولاية، وقد سعدت بخدمة أهلي طيلة سبعة عشر عاماً متواصلةً، وذلك برغم ارتباطي العاطفي والأسري بأم درمان، فمنزلي المِلْكُ بها، وهواي الأمدرماني متقدٌ بدواخلي، لكني استجبت واعتبرتها هجرةً عكسية، فالولاية الشمالية تحتاج لعقولها المهاجرة وكوادرها المؤهلة لتنميتها. وقد كانت من وصاياي لوالي الولاية وحكومتها أن تحرص على استرداد عقولها المهاجرة وتوطينها، وذلك بجعل الولاية جاذبةً مثلما هي الخرطوم، وذلك بأن تقوم فيها المدارس الخاصة والمستشفيات الخاصة وغيرها.

وما كنت لأقضي زمناً في العمل الشرطي برغم قناعاتي برسالته وحبي له على الوجه الذي صورته في أسماء أولادي، وأنا الذي أؤمن بمبادئي التي عشت بها ولها من "الصدق" الذي يتجلى في إحقاق الحق والجهر به واتخاذ المواقف فيه. ومن "التوكل" الذي يحمل صاحبه على أن يتقي الله ويُجمل في الطلب. ومن "اليقين" على نهج الحديث النبوي (لا يَحقِرَنَّ أحَدُكم نَفْسَه أنْ يَرَى أمْرًا للهِ فيه مَقالٌ، فلا يَقولُ فيه، فيُقالُ له: ما منَعَكَ؟ فيقولُ: مَخافةُ النَّاسِ، فيقولُ: فإيَّايَ كُنتَ أحقَّ أنْ تَخافَ) والحديث (إنك لَن تدَع شيئًا للهِ عزَّ وجلَّ إلا بدَلك اللهُ به ما هو خيرٌ لكَ منه). فتقدمت باستقالتي من العمل في الشرطة، وذلك في يونيو 1998م.

علَّق العميد معاش/ علي النعيم على صورة لسعادة الفريق عبد المنعم سيد سليمان في موقع (التوثيق للشرطة السودانية) بعبارة: (وكان رجلاً قائداً عارفاً ببواطن العمل الشرطي، قوياَ في الحق، غيوراً على الشرطة)، فكتب العميد شرطة معاش/ عباس فوراوي معقباً على تلك العبارة بالقول:( ونضيف لكل ذلك الآتي: فقد تمت إحالة عدد كبير من ضباط الشرطة للصالح العام في عهده بجانب رفيقه ونائبه الفريق صلاح ميرغني وقد حوى الكشف رقم (333) بتاريخ 31/10/1996 الكثير من الأسماء الخاطئة مما يدل على عشوائية الإحالات. سأله أحد المحالين للصالح العام وقتها وكان يعمل بالولايات الاستوائية: لماذا تحيلوني للصالح العام وسيادتكم زارنا بالجنوب قبل شهر وكنت تشيد بصبرنا وأدائنا الشرطي بجنوب السودان وتأسى لحالنا!؟ فرد الرجل:( والله ما عارف أنك من ضمن المحالين للمعاش إلا الآن فقط، فنحن نوقع على الصفحة الأخيرة من الكشف فقط). نعم لقد كان رجلاً طيباً ومحترماً قبل تعيينه مديراً عاماً للشرطة ولكن الأمور انقلبت على أعقابها بعد الرتبة الفخيمة والشحيمة. ليست لدينا الرغبة الآن للتوثيق للصفحات السوداء في تاريخ الشرطة السودانية).

https://www.facebook.com/groups/sudanpolice/posts/830792950294889/?comment_id=831572806883570

لقد أورثتني هذه التجربة في شرطة السودان آراء ورؤى حول العمل الشرطي في السودان، أرجو أن تكون نافعة وهادية لأي جهد إصلاحي فيها. فمن ذلك:

أولاً: ماهية عمل الشرطة. فالشرطة جهاز مدني وعمله إنساني مثل الهلال والصليب الأحمر ومنظمات المجتمع المدني، تقوم رسالته على الإرشاد والتوعية بالمضار والتوجيه ورعاية آداب الناس، شأنه في ذلك شأن التربويين والمعلمين، والضابط في عملهم هو عدم إفلات المجرم من العقاب، فإن الإفلات من العقاب يكرس التهاون في الحقوق المدنية.

وقد رفضت منظمة الأمم المتحدة التعامل مع الشرطة السودانية بسبب مظاهرها العسكرية الحربية في استخدامها السلاح المقاتل وارتدائها الزي العسكري الحربي، فلو قارنا بين المظهر العام للشرطة السودانية وأزياء الشرطة في الإقليم والعالم لرأينا التباين في الإيحاء، ولم يكن هذا هو الزي المعهود للشرطة سابقاً.

ثم إن قادة الشرطة مؤخراً جاروا الجيش في عملهم فاستخدموا تسليح الجيش وقاموا بعمل تكتيكات كبري في شكل مشاريع كبرى هجومية، بل جاروا الجيش في تسليحه، وكان هدفهم في ذلك أن يكسبوا امتيازات الجيش عملاً بنظرية (الأجر المتساوي للعمل المتساوي)، فأضروا برسالة الشرطة من حيث أرادوا النفع. ولعل هذا العمل يجيء في سجال المنافسة بين الشرطة والجيش في النواحي المالية، فقد أبان الفريق أول عباس مدني في لقاء صحفي سابق تاريخ هذا التنافس بالقول:( كانت هناك حساسية بين الشرطة والجيش، ويعود ذلك إلى مرحلة تقويم الوظائف، وكانت لجنة القوات النظامية مشتركة، وكنت فيها عن الشرطة، وطالبت بتقييم ضابط الشرطة، خاصة وأننا نعينه بمستوى ثقافي معين، ومستوى لياقة بدنية، وندخله في دراسة مكثفة لستة أشهر، ونطلقه في الشارع ومعه ذات سلطة مدير الشرطة التي تمكنه من أن يطلق النار ضمن إطار القانون وواجبه ويتحمل مسؤوليته، ونمنحه سلطة اتخاذ القرار، وعندما تم تقييم رجل الشرطة بالمواصفات التي قدمتها لهم خرج تقييمه عالياً، فقالوا هذا كثير، فاتفقنا على خفضه درجة عن نظيره في الجيش، وعندما مضت الأوراق للرئيس النميري خفض علاوة الشرطة درجة أخرى، فخلق هذا حالة إحباط داخل الشرطة، وأصبح ضابط الجيش يأخذ راتباً أكبر من نظيره من ضباط الشرطة، كأن يأخذ ملازم الجيش راتب نقيب شرطة، وهناك جانب آخر، فبعد الحكم الإقليمي أصبحت الشرطة تابعة للأقاليم بما في ذلك ميزانيتها، وقاد هذا لحدوث عجز كبير في إمكانيات الشرطة من حيث الملابس والأسلحة والمعينات والعربات، وأدى هذا لهبوط المعنويات، وعندما قامت الانتفاضة تمت إعادة وزارة الداخلية وتم تعديل القانون على أساس الحيادية والقومية)، وإذا ما قرأنا هذا التصريح مع إفادة مساعد المدير العام الأسبق الذي عاصر الاستعمار وفترة السودنة سعادة العميد/ إبراهيم حسن خليل لاتضح الأمر جلياً.

ثانياً: التعيين السياسي لمدير عام الشرطة أضر بالمهنة داخلها وخارجها، فنقابة الشرطة متمثلة في مديرها العام، فهو الذي يدافع عن منسوبيه ويرعى مصالحهم، فإن تم على أساس حزبي سياسي لانقلب على بعض أهله بالمضرة والعدوان، وهو ما ورد مع الكثير من الضباط وما حادثة الضابط/ عصمت أحمد حسن ببعيد، وغيره عشرات الحالات.

ثم إن الشرطة هي ثالثة الأثافي في حِمَالة العدالة في البلاد، بعد السلطة القضائية والنيابة العامة، والولاية السياسية فيها تهمةُ انحيازٍ وعدم حياد، فكيف تتوفر الثقة المجتمعية فيمن هو (الخصم والحكم)؟!

ثالثاً: فاقد الشيء لا يعطي، كيف تهدم الشرطة قواعد العدالة والإنصاف في ممارستها الإدارية ونشاطها المجتمعي سيما في مباشرتها العمل بالقانون الجنائي وإجراءاته ثم تدعي لنفسها القوامة على القانون والعدالة، فالتجربة بيَّنت أن بعض الضباط قد يجنحوا إلى سوء معاملة المتهمين حتى تنجح قضيتهم، ولا شك في أن ذلك نجاح غير عادل وسيولد الشحناء ضد الشرطة أولاً، كما أنه سيطور الجريمة بحيث لا تطالها ملاحقة الشرطة.

رابعاً: اهتزاز الصورة الذهنية المجتمعية للشرطة بسبب تغيير الأنظمة لدور الشرطة بجعلها قوة باطشة ضد الجمهور، وقد عملت أثناء الدراسة على تجلية الدور التربوي المجتمعي للشرطة واستعادة الرؤية الأولى المؤسِسة للشرطة والمستلهمة من الرؤية البريطانية للشرطة، ولهذا الحديث فصلٌ يتصل بتناول البحث الأكاديمي لدرجة الماجستير.

خامساً: أهمية التوثيق التاريخي العلمي والراشد لتاريخ الشرطة، وقد أدى بعض النماذج الشرطية المخلصة في هذا الشأن وعلى رأسهم سعادة الفريق أحمد المرتضى أبو حراز ومحمد عبد الله محمد صاحب "تاريخ جهاز الشرطة في السودان"، وغيرهم، لكن التأسيس المؤسسي لهذا الدور ما زال غائباً وما تزال المبادرات فيه شخصيةً وقد تعتمد على التجربة الإدارية بغير مؤهل علمي، وهذا لا تؤمن عليه الفتنة. ويمكن أن يقوم الدور المؤسسي في هذا الأمر بإنشاء "مركز أبحاث الشرطة"، بأن يعتمد على الباحثين والمدونين لكن تحت إشراف علمي، ومنهج بحثي مدروس، على أن يكون من مهامه إبراز الدور الوطني للشرطة.

سادساً: إبراز المكانة والدور الاجتماعي للشرطة بصورة مؤسسية، فقد أضر كثير من ممارسات منسوبي الشرطة بتلك المكانة الأمر الذي يحتاج إلى تضافر جهود كبيرة لهذا العمل.

الثلاثاء، 24 مارس 2026

الأستاذ اللواء/

    أحمد إدريس...

أحاديث الزمان والإنسان (4)

كلية الشرطة السودانية ... تاريخٌ وتجربة (ج)

في نحو العام 1982 طلبني سعادة العميد/ بدر الدين يوسف حامد – ابن حلتنا الذي كان ضابط شرطة منتدباً في "جهاز أمن مايو" - للعمل بإدارة التدريب "فرع الرتب الأخرى"، فنُقلت إلى التدريب وأنا حينها "نقيب" المباحث، وبقيت بها حتى وصلت إلى رتبة المقدم، وفيها زاملت العقيد حينها عبد المنعم سيد سليمان الذي كان يشغل مسؤول فرع الضباط. ثم وقع عليَّ الاختيار مديراً للمكتب السري للمكتب التنفيذي لوزير الداخلية، فنقلت لرئاسة الشرطة وبقيت مديراً للمكتب السري لرئاسة الشرطة حتى وصلت رتبة العميد.

العقيد شرطة م بدرالدين يوسف حامد

كنت في هذه الفترة قد أمضيت عدداً من الدورات التأهيلية والحتمية من جرعات التدريب بالداخل الخاصة بضباط الشرطة من الكورسات الحتمية، ثم دورة "الحرب الثورية" في كلية القادة والأركان، والحرب الثورية مصطلح يشير إلى كل ثورة داخلية تهدف إلى تغيير تام في النظام السياسي القائم في البلاد، وأول ما عرف به هذا المصطلح "حرب الاستقلال الأمريكية (1775-1783)"، ولا تُعدُّ الانتفاضات والمظاهرات السلمية الهادفة إلى تغيير أنظمة الحكم حروباً ثورية إلا إذا استخدم المشاركون أسلحةً نارية، وحينها يتوجب على القوة الشرطية الانسحاب تاركةً لقوات الجيش التعامل مع الموقف.

وعندما تم "تطبيق الشريعة الإسلامية" في البلاد على عهد الرئيس نميري في العام 1983م تم ابتعاثنا إلى جامعة أم درمان الإسلامية لدراسة كورس في القانون الجنائي الإسلامي. ثم نلت "دبلوم عام فوق الجامعي" في التربية من جامعة أم درمان الإسلامية -1984/1985م- وكانت دراسته في الفترات المسائية وعلى النفقة الخاصة، وكنت أستأذن لقضاء "التربية العملية" - وهي فترة التدريب العملي لدراسة التربية – وكنت أقوم أثناءها بالتدريس في "مدرسة الخرطوم القديمة"، وكنت أرتدي لها ملابسي المدنية، وقد ساعدني فيه رؤسائي المباشرون.

       وفي العام 1990م تمَّ اختيارنا لقضاء دورة تدريبية لمدة سنتين في "المركز العربي للدراسات الأمنية" بالمملكة العربية السعودية، فقضينا فيه العام الأول ومع انتهائه قامت حرب الخليج الثانية لتحرير الكويت من الاحتلال العراقي وهي ما أطلق عليها الأمريكان اسم "حملة عاصفة الصحراء" التي كان للسودان منها موقف المعارض وتم تصنيفه ضمن مجموعة "دول الضد" – وهي تلك الدول التي تحفظت على مساندة الحملة العسكرية ضد العراق، وهي: الجزائر وتونس ومنظمة التحرير
 الفلسطينية وموريتانيا والسودان وليبيا - فحُرِمنا بسبب ذلك من إتمام الدراسة بالمركز العربي بالرغم من أنه كانت يتبع لجامعة الدول العربية التي كان السودان جزءاً منها. وعلى إثر ذلك تقدمت للحصول على فرصة لدراسة الماجستير في التربية من جامعة الخرطوم وكان ذلك الأمر بفضل الله تعالى، وذلك بين عامي 1993م و1996م.

انخرطت في كورس التربية البدنية للمدربين، وكنت أول المتدربين لِمَا كنت أتميز به من مقدرات تؤهلني لأداء "البيان بالعمل" للأنشطة الرياضية على الطريقة العلمية، وكانت شهادتي في هذه الدورة معتمدة من الرياضي

 التربوي الشهير/ هاشم ضيف الله رحمه الله تعالى. وقد حافظت على الرياضة في حياتي هذه مشياً وجرياً الأمر الذي حفظ لي عافيتي بحمد الله من كثير من الأمراض التي تصيب أترابي.

نقلت في العام 1985م لرئاسة الشرطة للمكتب السري لمدير عام الشرطة والمكتب التنفيذي لوزير الداخلية، وهو مطبخ القرارات الذي تعد فيه المذكرات والقرارات، فلذلك أحسب أن نقلي هذا كان وفق اختيار دقيق، فقد عُرفتُ عند بعض القادة بتفرُّد أسلوبي في هذا الجانب على النحو الذي سردته من قبل عن العقيد بله عبد الله الحاردلو، وحينها عقَّب العميد سر الختم عثمان إدريس نائب مدير التدريب بالقول:( دي عملتها كيف؟!). وكانت مهمتي صياغة المذكرات للقرارات بعد توفر المعلومات المطلوبة لتلك القرارات ورفعها لمدير المكتب التنفيذي، ومن ثمَّ عرضها على السادة المدير العام ووزير الداخلية. وعند نقلي للمكتب السري لوزير الداخلية جاء سعادة الفريق أول عباس مدني وزيراً للداخلية في حكومة المشير عبد الرحمن محمد حسن سوار الدهب عقب "انتفاضة أبريل"، فقابلني الرجل بحفاوةٍ وبصدرٍ منشرحٍ وبنفسٍ طيبة، وقد ده

العميد شرطة/
سر الختم عثمان إدريس
ش الزملاء من هذا الموقف – وكنت أظن به أنه سيضمر مما سبق في نفسه شيئاً ما – غير أن الرجل صانه من ذلك تديُّنه الذي عُرف به، رحمه الله تعالى رحمةً واسعة.

         لكن فترتي في المكتب السري ووجودي ضمن العاملين في أعمال الإدارة العليا للشرطة أقحمني في أمورٍ مزعجةٍ ما كان لي من بُدٍ منها، فقد تزامنت هذه الفترة مع "الديمقراطية الثالثة" وتجربة الحكم الحزبي بعد سنوات مايو العسكرية وحكمها الذي امتد ستة عشر عاماً، فقد جرت حادثة لضابط شرطة الجوازات/ عصمت أحمد حسن ابن "بانت شرق"، فقد كان يقف ذات صباح في شارع "الموردة" إذ مرَّ من أمام الحضور السيد/ الصادق الصديق المهدي – رئيس الوزراء حينها – بموكبه الذي تتقدمه عربة نجدة المرور بأضوائها وأصواتها، فعلَّق الضابط على هذا المشهد مازحاً بالقول:( لو الواحد ضرب الصادق المهدي ده بي مسدس)، وقد سمع هذا الحديث اثنان من شباب الحي، هما: طارق علي عبد الله وعز اللدين علي عبد الله، كان منزلهم مستأجَراً داراً لحزب الأمة ببانت شرق، فأخطرا العميد بحري معاش/ عبد الرحمن فرح - قائد القوات البحرية سابقاً ومسؤول أمن حزب الأمة حينها- فاتصل باللواء/ عبد اللطيف علي إبراهيم – مدير الجوازات حينها والشهير بـ"أبو ساطور"– طالباً نقل الضابط عصمت، فنقله على الفور من "الخرطوم" إلى "الدمازين". وبرغم رأيي بتخطيء تصرف الضابط/ عصمت أحمد – وهو خير مثالٍ لما كنتُ أنتقده في استهتار ضباط الشرطة من حملة الشهادة
الفريق/
عبد اللطيف علي إبراهيم الشهير بأبي ساطور
 السودانية، فجلُّهم لا يكترث لهذه السلطة
القانونية التي منحتها له الشرطة بتمييزه عن أقرانه الذين يلتحقون بما سوى الشرطة من الوظائف، أما الشرطي من الخريجين الجامعين فلا شكَّ قد وعَّته سنواتها وإن أضاف إليها سنوات خبرة من الوظائف المدنية فقد كمُل رُشداً – فقد استشرت مسؤول المكتب التنفيذي حينها العميد/ صديق الهادي في كتابة خطاب للمدير العام أعترض فيه على هذا النقل التعسفي والتغول من حزب الأمة، فقال لي:( إنت ما نقابي!)، فقلت له: لو أنَّ مدير عام الشرطة لا يحمي منسوبيه، فلنبحث عن حزب يحمي منسوبي الشرطة من القرارات التعسفية. فكتبت لمدير عام الشرطة حينها الفريق أول/ فيصل خليل، (الرجل الحقَّاني) - رحمه الله تعالى وجعل مثواه الجنة – فاعتبر الخطاب غيرة مني على الشرطة من تغول الأحزاب فاتصل باللواء عبد اللطيف علي وأمره بإلغاء نقل الضابط عصمت أحمد حسن إلى "الدمازين" فوراً ونقله داخل ولاية الخرطوم. فأكبرت فيه هذه القوة في المواقف التي عُرِف بها.
        وهنا تبدو المفارقة بين تعامل ضباط القوات المسلحة مع زملائهم من المناصرة (ظالماً أو مظلوماً) وإن أرادوا المداراة عنه ادعوا سفره لمناطق العمليات فلا تطاله المساءلة فيما لا يريدون له ذلك.

الفريق عوض سلاطين
ولم يمضِ على الحادثة السابقة أسبوعاً حتى أصدر وزير الداخلية السيد/ سيد أحمد الحسين - الوزير عن الحزب الاتحادي الديمقراطي – قرار إيقاف لسعادة الفريق/ محمد الحسن يوسف، مدير شرطة الخرطوم لرفضه
وزير الداخلية/ سيد أحمد الحسين

التصديق بحصةٍ من وقود البنزين الخاص بالشرطة لصالح الحزب الاتحادي الديمقراطي! كما أصدر قرار إيقاف لمدير عام الشرطة الفريق أول/ فيصل خليل بسبب
عدم تنفيذ قرار نقل الضابط عصمت أحمد حسن. حينها قال الفريق/ عوض سلاطين، مدير الإدارة العامة للشرطة حينها:( أنا سأحتفظ بمذكرة أحمد إدريس أحمد، لكونها خير تنبيهٍ لخطر تدخل الأحزاب في العمل الشرطي).

هذه صورة من صور تدخل الأحزاب في العمل الشرطي بسبب ضعف قيادة الشرطة حينها، فقد كانت الأحزاب تدفع بالموالين لها للجيش والشرطة والضباط الإداريين ولوظيفة سكرتير ثالث في وزارة الخارجية. الانتماء للحزب في العمل الشرطي يجعل الشرطة غير مستقلة، ومبدأ العدالة غير محايد.

      وعلى ذكر التنقلات في الشرطة وطرائفها الأليمة، فقد أودع ابن دفعتنا فاروق عبد الله حمزة طلبه للنقل باختياره لولاية البحر الأحمر في رغباته الثلاث في تلك الاستمارة، ثم تفاجأ بقرار نقله إلى ولاية دارفور، فعلَّق حينها قائلاً:( أنا أَطْلُبْ البحرْ الأحمرْ... تَوَدُّوْنِي السَّمَا الأحمر؟). ولتكرار مثل هذه المضار من إدارة التنقلات في الشرطة، فقد أطلق عليها الزملاء عبارة (عَذِّبْنِي وتَفَنَّنْ)، وهي عبارة في قصيدة الشاعر محمد يوسف موسى، والتي غناها الفنان/ محمد وردي.
       كنت من موقعي في المكتب السري متابعاً لمراحل إنشاء مستشفى الشرطة بالخرطوم، والذي بدأ شفخانةً في كلية الشرطة بـ"عنابر كدنقا"، ثم قرار ترفيع نقطة الشرطة العلاجية بكلية الشرطة وفقاً لقرار مدير عام الشرطة آنذاك إلى مستشفىً، ثم تمدَّد حتى صار مستشفى الشرطة المعروف باسم "مستشفى ساهرون". فقد كان د. أحمد عوض - المدير التنفيذي لمشروع مستشفى الشرط
الفريق/ عبد اللطيف عشميق
ة 
حينها- يأتينا بخطاباته في المكتب السري لتُمهر من المدير العام ومن ثمَّ نقوم بتمريرها للجهات المختلفة. فبدأ المستشفى بالأطباء الأوائل أمثال الدكتور/ عبد المنعم النميري الطبيب العمومي وقتها والنقيب، والنقيب الطبيب عمومي وقتها/ عبد اللطيف عشميق، ودكتور. الفاتح الشكيري، وآخرين.

أسعفتني هذه المتابعة من حكم موقعي بالمكتب السري في إنشاء مستشفى الشرطة بدنقلا بعدما نُقلت إليها مديراً لشرطة الولاية الشمالية، ويرجع الفضل في إنشائها للسيد الفريق بكري حسن صالح وزير الداخلية حينذاك وليس مدير عام الشرطة كما أُثبِت في لوحة الافتتاح لاحقاً.

جامعة الخرطوم أتاحت لكبار الإداريين فرص الدراسة الأكاديمية بها للتأهيل الوظيفي كما أتاحت فرص الدراسات العليا، وقد حظيت بفرصة الدراسة لنيل درجة الماجستير في التربية بتخصص طرق التدريس، فعلى عهد الفريق علي فرح العوض مديراً لكلية الشرطة – وهو من الدفعة الثانية خريجين أي السابقة لنا - ابتعثنا مع آخرين لكلية التربية جامعة الخرطوم لدراسة الماجستير في تخصص التربية بجامعة الخرطوم، وكان من بين المبتعثين الفريق علي فرح نفسه. وبعد إكمال أكملت فترة الدراسة المنتظمة تأهلت لعمل البحث التكميلي الذي كان بعنوان (دور التربية في خدمة العمل الشرطي في ظل تطور القوانين في السودان)، وقد حباني الله عز وجل بإشراف العالِم   

البروفيسور/ محمد زايد بركة
العَلَم التربوي البروفيسور/ محمد زايد بركة. ولهذه السيرة وهذا البحث مساحةٌ خاصةٌ لا يسع المقام لها هنا. وهو الذي أشرف كذلك على دراسة الفريق علي فرح للماجستير.

بعد انتهائي من الماجستير وعودتي نقلت إلى إدارة التدريب – فرع تدريب الضباط، وأحسب أن نقلي لهذه الإدارة جاء انسجاماً مع المؤهل العلمي، لكن الأمر أدهش الزملاءَ فعقَّب أحدهم مازحاً بالقول:( نقلوك التدريب! كأنك مشيت الكويت)، وذلك لكثرة حوافزها في كل أعمالها، مثل حوافز الكفاءة الدرجة الأولى، والكفاءة الدرجة الثانية، والمسابقات، وامتحانات ضباط الصف للالتحاق بكلية الشرطة وهو ما يسمى بـ"التأهيلية"، وكذلك امتحانات ترقي الضباط من "ملازم" إلى نقيب، ومن مقدم إلى عقيد، وكذلك المحاضرات في كلية الشرطة ومحاضرات الأكاديمية العليا. وفي إدارة التدريب زاملت العقيد حينها عبد المنعم سيد سليمان الذي استمر فيها لمدة عشرين عاماً، والذي صار لاحقاً المدير العام للشرطة من (12/8/1995- 24/2/2000).


 
      لذلك أحسست بنقلي إلى "التدريب" أني في المكان المناسب وذلك بحسب تخصصي بالمناهج والامتحانات. وبهذه المناسبة فقد أخبرنا بعض أساتذتنا في كلية التربية الذين تم ابتعاثهم للدراسة للدكتوراة في الولايات المتحدة الأمريكية أن وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاجون" تختار المتقدمين في علوم التربية للانتساب لها لكونهم مقتدرين في التعليم والاتصال والبرمجة العصبية والتدريب وتطويره. غير أن التعاطي في السودان مع هذا المجال الأكاديمي كان مختلفاً، فقد كان التحاقنا بكلية التربية رغبةً شخصيةً من غير توجيهٍ أو حثٍّ، ولو فعلوا لرفدوا كلية الشرطة والأكاديمية بمعلمين أكفاء، فقد أفاد العائدون من تلك البعثات الخاصة فأصبحوا معلمين بجدارة في الكلية والأكاديمية ومعهد الضباط، وحفظوا للشرطة تاريخها عن وعي، ومن أمثالهم محمد عبد الله محمد الذي كتب في "تاريخ جهاز الشرطة في السودان" تلك الدراسة التي أخرجها مركز الدراسات الأفريقية بجامعة الخرطوم. والأعجب أن جامعة الرابط لم تضم في عداد كلياتها كليةً للتربية حسب علمي.

أما في إدارة التدريب – فرع الضباط في الشرطة قد لاحظت فيها أمراً غريباً في مناهج التدريب وطرائق التدريس والتقويم من الامتحانات وغيرها أنها ما تزال تجري على التقليد المتبع من زمن الاستعمار بغير تجديد ولا تطويرٍ، وبغير منهج

الفريق أول عبد المنعم سيد سليمان
 علميٍ معروف، وأن القادة السابقين الذين درسوا في جامعات خارج البلاد ونالوا درجات عليا في التخصصات المختلفة لم يطوروا الكلية - وقد كنا نحن الدفعة الثالثة في الشرطة من خريجي الجامعات - ولم تكن لهم بصمة في لائحة التقويم ولا المنهج أو طريقة الامتحانات للترقي والكورسات. وقد اقتصرت الدراسة فيها على بعض القوانين واللوائح الجنائية والإجرائية، وقد غابت بعض العلوم الأساسية من علوم القانون مثل علم الإحصاء الجنائي وعلم الإجرام فلم يضمن برغم أهميتها.

وقد كان التغيير الوحيد الذي وجدته هو ذلك التطبيع لإجراءات الامتحانات من الكنترول الموحد وحجم الحوافز المالية ولائحة المكافآت الذي ابتدعه اللواء – حينها - عبد المنعم سيد سليمان وهو مدير تدريب الضباط، فقد أمضى الرجل فيه نحو عشرين عاماً، وهو الحامل لشهادة الاقتصاد والدراسات المالية من جامعة أم درمان الإسلامية، ولذلك اهتم فيه بالجانب المالي واستهدى بتجربة "كنترول" تصحيح امتحانات الشهادة الثانوية السودانية في الحوافز المالية.

وكان منهج التدريب يقوم على امتحانات الترقي وهي حاجز للكفاءة، فمن ملازم لنقيب لابد من امتحان، وكذلك من نقيب لمقدم، ثم يجتاز الضابط الفرق الحتمية ويلتحق بأكاديمية الشرطة حتى يترقى لرتبة العقيد، ثم يترقى للرتب الأعلى بتخطي حاجز الكفاءة للترقي وهو يقوم على تقويم بالدرجات للشهادات وتقارير الأداء.

وبالرغم من كوننا في الدفعة (31) جامعيين، إلا أن التوجيهات التي كان تُصرف لنا كانت هي ذاتها تلك التي تُصرف للمقبولين لكلية الشرطة من الثانويين؛ فنُوجَّه بعدم تسور حوائط الكلية، وبالبس اللائق، ونحو ذلك مما لا يتناسب مع الفئة العمرية لخريجي الجامعات.

اما التدريب في الشرطة فإنه يتم على مهام الشرطة المدنية، مثل مكافحة الشغب والاضطرابات، وفي كل ذلك سلاحها "الدرقة" والعصا "الخيزرانة" والغاز المسيل للدموع، والبندقية للدفاع عن النفس، وهي بندقية نصف آلية. كما كانت هناك عقوبةٌ تربوية غابت من الإجراءات الجنائية والعمل الشرطي وهي شهادة "حسن السير والسلوك" والتي هي تدبير تربوي بديل لسجن الطلاب حتى لا يضيع مستقبل الطالب لذلك يُهَدَّد بالسير والسلوك، وقوام حركات الشغب والمظاهرات هم الطلاب. فإن نظام الشرطة السودانية مأخوذ من النظام الإنجليزي الذي لا يجيز استعمال السلاح ضد الشعب، والقانون والقضاء الإنجليزي لا يقضي بالإعدام على الجرائم لكنه يقضي بها فيمن قتل شرطياً.

كان التصحيح لامتحانات التقويم والترقيات تتم فيه المجاملات، فهو مدفوع القيمة، وقد يوكل لغير المتدربين على التقويم، وذلك أمرٌ خطيرُ الأثر، فإن الضابط - يومذاك – قد لا يعدو مؤهله العلمي الشهادة الثانوية، ومع ذلك يعطى مسدساً وسلطةً يحِدُّ بها حرية الناس، وهو غير أهلٍ للعمل الشرطي بذلك التقويم الجائر. وقد كان هذا عاملاً مهماً في هدم ثقة العامة في رجل الشرطة، ولذلك أرشدنا أستاذ الإجراءات الجنائية يومهاً لقضاء وقت في الحراسة للإحساس بقيمة الحرية الإنسانية والإحساس بالوصمة التي تعلق بالناس بسبب فقدان ذلك الشعور وتلك المؤهلات في الشرطي. وإن بعض صغار الضباط كان يأخذهم الحماس فيُعرِّضوا المتهم لإجراءات تكون وخيمةً وجائرة، وقد حدث ذلك كثيراً.

لقد ألهمتني دراستي للتربية واختصاصي بالتقويم وطرق التدريس أن أفيد العمل التدريبي بالشرطة من خلال تكليفي هذا، فأعددت مذكرةً تحوي رؤيةً علميةً لأسس المنهج التدريبي العلمي، بالأهداف الوجدانية والسلوكية والمهارية. والطرق العلمية للتدريس من "التعلُّم الذاتي" وحلقات النقاش "التعلم بالتعليم" والتعلم التجريبي أي نظرية "النمذجة والمحاكاة" في التربية. والطرق العلمية للتقويم، فمن المسلَّم تربوياً أن الامتحانات النهائية ليست العمدة في التقويم التربوي، وأصبحت أنماط التقويم المستمر تحوز على النسبة الأعلى علمياً في التقويم التربوي، فاقترحت لذلك أن يكتب المتدرب بحثاً في تخصصه في مؤسسات الشرطة، فمثلاً ضباط الجمارك يُكلفوا ببحوث في وسائل مكافحة التهريب ونحوها، وضباط حرس الصيد يُكلفون ببحوث تتصل بحماية "الحياة البرية" ونحوها، ثم تقوَّم البحوث بالمناقشات العلمية. كما اقترحت ألا يقتصر التقويم على الامتحانات فقط، بل يشمل ملاحظة النشاط اللاصفي والمشاركات في الأنشطة الأكاديمية، و"تقويم الشخصية" وهي التقويم الأنسب لكل معايير التقويم لوظائف الدواوين والمؤسسات، وحديثاً غدت هي العمدة لأسس الاختبار الوظيفي.

وقد يظن الكثيرون ألا علاقة للعمل الشرطي بالتربية، وقد أبنت هذا الجانب في بحثي للماجستير وسأعود إليه بصورةٍ أوفى لاحقاً، ولكن الشرطة تتعامل مع الصعيد الأوسع من الجمهور، وهي مؤسسة خدمية في المقام الأول، فهي توفر السلامة والأمن والطمأنينة التي هي رأس مال الأعمال والتطور والرفاهية، كما أنها تؤسس للعدالة بالإجراءات الأولى من التحري والتحقيق والضبط، وهي في كل ذلك تعتمد "التواصل" الذي هو جرثومة التعليم ومادته، فكيف يقوم مَن يقوم بتلك الأعمال وهو فاقدٌ للتأهيل لأول مقومات تلك العمليات مجتمعةً؟ الأمر الثاني هو أن "التدريب" أساس العلوم الشرطية، وله في مؤسساتها معاهد؛ كلية الشرطة، والأكاديمية، ومعهد الضباط، ألا يحتاج المدربون في هذه المعاهد للتأهيل التربوي للقيام بالتدريب على وجهٍ علمي؟ ومن الأعجب أن تقوم للشرطة جامعةٌ – وهي جامعة الرباط – ولا يكون من بين كلياتها كليةٌ للتربية!!

وقد اقترحتُ في المذكرة التقويمية تلك التحديث للمنهج بعدم الاقتصار على القوانين الجنائية الموضوعية والإجرائية ومهاراتها من التحري والتحقيق ونحوها، وقد غدت الشرطة جامعةً لوحداتٍ ما كانت لها بها صلة مثل السجون والجمارك والدفاع المدني تحت مسماها الجديد "الشرطة الموحدة"، فلا بد من إدخال علوم تتصل بالجمارك والضرائب وحرس الصيد، مثل علوم الاقتصاد والإحصاء والاجتماع والبيئة وتقانة المعلومات، فتلك علومٌ مساعدة قد تتصل بكل مجالات الشرطة الموحدة.

كان المسار العملي لتلك المذكرة يقتضي أن توضع أمام اجتماع هيئة القيادة للتداول بشأنها، سيما وأنها رُفعت حسبما تقتضي الإجراءات الإدارية من المسؤول الأول وهو شخصي حتى وصلت سعادة المدير العام وقتها وهو الفريق أول شرطة/ عبد المنعم سيد سليمان - وهو المنوط به إعداد مقترح أجندة اجتماع هيئة القيادة - غير أن الأخير رفض طرحها فضلت طريقها للإهمال، بل مثلت عنده عتبةً مانعةً للتعامل بيننا حتى انتهى الأمر بي بتقديم استقالتي لاحقاً حسبما سيتبين.

في العام 1989م وبعد انقلاب العميد عمر حسن البشير ظهر ما عُرف بـ"تطهير الشرطة" فاُقيل مدير الشرطة وعددٌ من الضباط كان منهم رئيس شرطة قسم الخرطوم بحري فنُقلت رئيساً للقسم ثم مديراً لشرطة الخرطوم بحري، فقمت بإلزام أفراد المباحث بارتداء زي الشرطة، وقمت بمراجعة ملفات أفراد شرطة الخرطوم بحري وحصرت العمل بالمباحث على الأفراد الذين خلت ملفاتهم من المخالفات الجنائية ومجالس المحاسبة والأعمال غير الأخلاقية، لقناعتي بأن مهارات المباحث من التحقيق وغيرها تكتسب أما الأخلاق فهي أساسٌ تأتي بعده المهارات وإلا فإن التهديد الأمني يُؤتى من قِبلها .

لقد كان العمل الشرطي في تلك الحقبة بن سنوات السبعينات والتسعينات من القرن الماضي مرهِقاً ومُجْهِداً للذهن – سيما العمل في العاصمة - فقد كنَّا غالباً في حالة ا

المقدم حسن حسين عثمان
استعداد (On Call ولم تكن البلاد في حالة استقرار، فبُعيد استلامنا للعمل كان انقلاب المقدم حسن حسين عثمان 5 سبتمبر 1975 ثم ما لبثنا أن كانت حادثة "المرتزقة" 1976م بقيادة العقيد محمد نور سعد وأحزاب المعارضة السودانية في "ليبيا" وقد سبقت الإشارة إليها. ثم تلتها ببضع سنواتٍ تمرد "الحركة الشعبية لتحرير السودان" التي عُرفت اختصاراً بالحروف الإنجليزية "SPLM" (Sudan People's Liberation Movement) بقيادة "جون قرنق"، والتي أدت إلى اضطرابات واسعة في البلاد قادت إلى "انتفاضة أبريل" 1985م وما عُرف بعدها بفترة "الديمقراطية الثالثة". وبين عامي 1984 -1985م كانت "مجاعة دارفور" ونزوح أهلها إلى أطراف العاصمة القومية بسبب الجفاف. ثم جاء انقلاب العميد عمر حسن البشير الذي عُرف باسم "ثورة الإنقاذ الوطني" في العام 1989م. ومن أشهر الأحداث التي ولَّدت اضطراباتٍ في هذه الفترة الأخيرة كانت محاولة "انقلاب الكدرو" في 1990م بقيادة اللواء عبد القادر الكدرو، واللواء الطيار محمد عثمان حامد كرار. ثم في العام 1993م أدرجت وزار
اللواء/ محمد عثمان حامد كرار
ة 
الخارجية الأمريكية السودان في قائمتها التي عُرفت باسم (قائمة الدول الراعية للإرهاب). 

وفي العام1995م اتُهِم السودان بمحاولة اغتيال الرئيس المصري محمد حسني مبارك أثناء زيارته لجمهورية أثيوبيا. ثم في العام 1996م جرت أول انتخابات رئاسية في عهد "ثورة الإنقاذ" وذلك لمقاعد رئاسة الجمهورية ورئيس المجلس الوطني الانتقالي وعضوية المجلس.  

في العام 1996م تمَّ نقلي مديراً لشرطة الولاية الشمالية فأمضيت فيها حولين كاملين أنهيت بها خدمتى وتجربتي المهنية بشرطة السودان باستقالتي، لكن العمل بالولاية الشمالية كانت له مجريات أتناولها في جزء خاص.

الأربعاء، 28 يناير 2026

   الأستاذ اللواء/

أحمد إدريس...

أحاديث الزمان والإنسان (4)

   كلية الشرطة السودانية ... تاريخٌ وتجربة (ب)

   

تطرزت البيئة المجتمعية لحي بانت شرق - بين الخمسينات والسبعينات من القرن الماضي- بالشرطة والجيش من نواحيها، فحيثما التفتَّ أسرك مشهدٌ يتصل بهذين السوارين. كما أحاطت بمنزلنا فيه تلك الحضوريات من مشهد الأميرلاي يوسف إدريس عبد الكريم في بيتنا وهو في زيه العسكري وحيويته الأسرية، ومن مأثور المشاهد العسكرية من يوميات الجيش والبوليس، ومشاركاتنا الشعورية والبدنية – نحن أطفالَ الحي – للجماعات العسكرية في تدريبها واستعراضها، وحضورنا – نحن شبابَ الحي – في أنديتها، ومخالطتنا الاجتماعية – نحن سكانَ الحي – لبيوتات أسر العسكريين من الشرطة والجيش المستأجرين لِمساكن الحي مِن حولنا. كل تلك الحضوريات أثرت في تكويننا الذهني بالتطلع لأكون ضابطاً نظامياً، فالإنسان ابن بيئته يتفاعل فيها تأثُّراً وتأثيراً. غير أن السبيل إلى إحدى الحسنيين – الكلية الحربية وكلية الشرطة – ما كان ليتيسر لمثلنا نحن الذين نفتقد الوسيلة والواسطة إلى هرمي الحزبين العتيدين يومها – حزب الأمة والاتحادي الديمقراطي – اللذين كانا يقتسمان قائمة المرشحين لهاتين الكليتين، حتى إذا ما قامت ثورة مايو وفتح الرئيس النميري أبواب الكليتين على مصراعيهما للعامة، صار لقدرنا أن يستجيب لتقديمي لكلية الشرطة في الدفعة الثالثة للخريجين الجامعيين الثمانية والخمسين الذين طلبتهم الكلية للانضمام، فكنا في عِداد الدفعة (31) حسب السجل الوثائقي لخريجي كلية الشرطة والتي آلت إلى الدفعة (36)، وذلك في الأول من أبريل من العام 1972م.

لم تتخلل العام الذي أمضيناه في الكلية قبل تخرجنا في العشرين من مارس من العام 1973م أحداثٌ تذكر، كما أننا كنا متقاربين في مستوى التحصيل الأكاديمي فيها لكن تباينا في الأداء العسكري - وهو محط إعجاب المدربين والتعلمجية - فكان أول الطابور منا هو المرحوم علي سر الختم، فكان تعداد الدفعة ثمانية وخمسين فرداً هم:

1-        السيد/ إبراهيم سيد عبد الله

2-        السيد/ أحمد إدريس أحمد

3-        السيد/ أحمد الحسين عبد الرحمن

4-        السيد/ أسامة أحمد عبد الله

5-        السيد/ إسماعيل محمد عبد الدافع

6-        السيد/ السماني أحمد حمد النيل

7-        السيد/ الشكري محمد علي

8-        السيد/ المكي محمد أحمد المكي

9-        السيد/ بابكر عمر الفكي

10-   السيد/ حيدر سليمان مدني

11-   السيد/ خميس عوض مرجان

12-   السيد/ راجي جعفر غندور

13-   السيد/ ساتي عبد القادر ساتي

14-   السيد/ صلاح الدين أبوزيد

15-   السيد/ صلاح الدين عبد الفراج

16-   السيد/ عبد الرحمن الخواض

17-   السيد/ عبد الرحيم آدم هارون

18-   السيد/ عبد الرحيم يوسف عثمان

19-   السيد/ عبد الرؤوف عثمان أحمد

20-   السيد/ عبد العزيز أحمد خيري

21-   السيد/ عبد القادر أحمد ناصر

22-   السيد/ عبد القادر محمد يوسف

23-   السيد/ عبد الله عبد الرحمن الشريف

24-   السيد/ عبد الله علي عثمان

25-   السيد/ عبد الله محمد بابكر

26-   السيد/ عبد المنعم حسن عبد الرحمن

27-   السيد/ عثمان محمد الخواض

28-   السيد/ عصمت أحمد بابكر

29-   السيد/ علي سر الختم

30-   السيد/ علي عبد اللطيف علي

31-   السيد/ عوض السيد عبيد آدم

32-   السيد/ فاروق عبد الله حمزة

33-   السيد/ فتح الرحمن بلال

34-   السيد/ قسم الله عباس خلف الله

35-   السيد/ كمال أحمد حسن

36-  السيد/ مأمون السيد إدريس

37-   السيد/ محجوب خوجلي إسماعيل

38-   السيد/ محجوب سيد بشير

39-   السيد/ محمد إبراهيم محمد

40-   السيد/ محمد الأمين الحاج

41-   السيد/ محمد الباقر حسن فرح

42-   السيد/ محمد سعد محمد ونَّان

43-   السيد/ محمد صالح محمد علي

44-   السيد/ محمد عبد الرحمن وراق

45-   السيد/ محمد عبد المنعم حسن

46-   السيد/ محمد علي محمد البصري

47-   السيد/ محمد عمر أحمد الأمين

48-   السيد/ محمد مصطفى محمد

49-   السيد/ محمود سامي محمد

50-   السيد/ مدني عبد الرحمن تاج الدين

51-   السيد/ مصطفى عبد الجبار أحمد

52-   السيد/ مصطفى مختار عمر

53-   السيد/ مصطفي أحمد الفضل

54-   السيد/ معتصم عثمان حسن

55-   السيد/ ميرغني الفكي أحمد

56-   السيد/ نكولا بوبا لازور

57-   السيد/ نور الدين حسين أحمد حسين

58-   السيد/ يحي أبو بكر محمود

تم توقيع اتفاقية "أديس أبابا" في 3 مارس 1972م" والتي أنهت تمرد "أنانيا 1" التي قادها اللواء معاش/ جوزيف لاقو، وتغنى بهذا الحدث الفنان/ صلاح مصطفى (تلاتة مارس عيد يوم وحدة السودان ... كلنا إخوان).
 كان من آثار هذه الاتفاقية أن ضُمِّن بعض أفراد الأنانيا إلى دفعتنا فتخرجوا معنا برتب مختلفة فمنهم النقيب ومنهم المقدم وغيرها، وذلك حسب موقعهم السياسي في الحركة. كما ضمت الدفعة أفراداً من منسوبي جهاز الأمن الذي اقتطع عن الشرطة فصار مؤسسةً مستقلة، وكان تدريبهم في الشرطة بغرض الإلمام بمهارات التحري والتحقيق وغيرها من أعمال الشرطة التي تتصل بمهامهم. كما ضمت الدفعة بعض الأشقاء من الدول العربية، فأذكر منهم الأماراتيين. بالإضافة إلى "ضباط التأهيلية" وهم ضباط صف شرطة أُختيروا للترقية إلى ضباط. وبوفاة اللواء على سر الختم الذي توفي مؤخراً فإن نحو ربع هذه الدفعة انتقل إلى رحمة الله (ومنهم من ينتظر). ومنهم من انتقل فيما بعد إلى ديوان النائب العام أمثال عبد القادر أحمد ناصر، وونَّان – وهو من سكان الخرطوم، وهو ابن خالة محمود ونان رئيس النادي الأهلي حينذاك - و(صلاح). ومنهم من انتقل إلى وزارة الداخلية، أمثال إسماعيل عبد الدافع، ومنهم من انتقل إلى وزارة الخارجية أمثال بابكر عمر الفكي الذي انضم إلى الدفعة متأخراً وتعثَّر في تدريبات "البيادة" و"الأسلحة" مما جعل "التعلمجية" يستهدفونه بسبب ذلك، فهم انطباعيون جداً ضد من لا يتقن هذين المجالية، فترك الكلية لذلك قبل التخرج وانتقل إلى وزارة الخارجية.

لقد تخللت التدريب الطرفة في كثيرٍ من مواقفه، فعلى الرغم من تلقينا التدريب على مدربين أكفاء وعلى مستوى جيدٍ من التعليم إلا أن فئة "التعلمجية" – وهم من ضباط الصف غالباً أو ضباط التأهيلية الذين قلت درجتهم التعليمية- كانت تؤثر عنهم الفكاهة عبر سَقَطاتٍ وزلات اللسان، فمن ذلك أن "التعلمجي" لقبني بـ"فكهاني الدفعة" ووجه الطُرفة في ذلك أن "الفكهاني" هو بائع الفواكه، أما الوصف للمكثر من الطُرَف هو "الطريف" أو "الظريف" لكن "التعلمجية" درجوا على تأليف المصطلحات كما يحلو لهم.

        ومن ذلك أن "التعلمجي" سأل يوماً المتدربين في امتحان الفروسية، عن كيفية مداواة الخيل في حال إصابتها ببعض أمراضها إن هي تمنعت عن تناول الدواء، فأجاب جلُّ الطلاب إجاباتٍ لم ترُق له، والتعلمجي في توزيعه لفرص الإجابة يتجنب أحد أفراد الدفعة ممن يطلق عليهم 
 التعلمجية لقب "عَيْنَة" – وهو الذي لا يروق لهم أداؤه في التمارين العسكرية – لكنه اضطر أخيراً لتوجيه السؤال له، فأجاب المتدرِّب بالقول:(يُعطى رغم أنفه). فتلقفها التعلمجي فرِحاً معجباً ومصححا له بالقول:( بآنافه). ثم مدح المتدرب بما يُذم به فقال:( يضعُ سرَّه في أضعف خلقه). فضحك الجميع.
        لم تفارقنا الطرف في مسيرتنا المهنية نخفف بها أجواء التوتر والخلافات . فمن ذلك أذكر أني ترأست لجنة لبحث مخصصات مالية "علاوات" للأفراد، فاختلف أعضاء اللجنة من ممثلي السجون وغيرهم في مقدار العلاوة المخصصة للسجان الذي يتولى الإعدام بـ"الشنق"، بين ثلاث أو أربع جنيهات، فكسرتُ تلك التوترات بالقول مازحاً (فليأخذ هذا المبلغ مع "الجِلِدْ والرَّاسْ") فضحك الجميع وتجاوزوا الخلاف، و"الجلد والرأس" يعطى في عرف التعامل السوداني مع أجرة الجزار الذي يتولى الذبح للمناسبات الاجتماعية جبراً اما قد يظنه ضرراً في العطية. 
      ومن المواقف المرحة العالقة بالذاكرة ذلك الموقف الذي جمعني - إبان رئاستي للشرطة بدنقلا وافتتاح مستشفى الشرطة بها- بالطاقم الطبي الذي اقتصر على دكتور
الفريق بروفيسور عبد اللطيف عشميق

عشميق ودكتور عبد الفتاح العميري وأربعة من الأطباء كلهم في تخصص الأسنان، فعلّقت بالسؤال:(هذا المستشفى يُعَضُّ عليه بالنواجذ؟)، فضحك الجمع.
      لا أذكر لدفعتنا في الكلية ذكريات تُشجي غير أني أذكر استشهاد أحد الزملاء من الدفعة هو الشهيد قسم الله عباس خلف الله في أحداث الثورة المسلحة التي استهدفت نظام مايو وعرفت بـ"أحداث العام 1976م" تاريخياً و"المرتزقة" تشهيرياً، وهي الأحداث التي خططت لها المعارضة السياسية لنظام الحكم يومها، وقادتها أحزاب "الأمة" و"الاتحاديين" و"جبهة الميثاق الإسلامي" التي احتشدت في الأراضي السودانية قبل غزو الخرطوم ثم فشلت المحاولة.

وقد مكثنا في الكلية فترة (الحبس Confinement) أربعين يوماً للانتقال من الحياة المدنية البحتة إلى الحياة النظامية، ثم تم اختيار بعض أفراد الدفعة المتميزين في التدريب العسكري للمشاركة في عرض الطابور لاحتفالات أعياد "ثورة مايو" وكنت أحد المختارين. ثم ابتعثت مع ستة من الدفعة "للتدريب خارج الولاية" إلى ولاية البحر الأحمر لمدة ستة أشهر . وبعد عودتنا تم استيعابنا في المباحث، فعملت بقسم التحقيق ثم مكتب مطار الخرطوم.

كان شعور الضباط الجامعيين في الشرطة مفعماً بالامتياز لكونهم كانوا يجدون فرصاً للدراسات العليا من بعد، كما أن وضعهم الوظيفي كان أرفع من غيرهم كونهم يعادلون موظفي الدولة في الدرجة (Q) أما حملة الشهادة السودانية من الضباط فمدخل للخدمة عبر الدرجة (S) وعليهم إمضاء أربع سنين حتى يترقوا إلى الدرجة (Q)، ولذلك كان الضباط الجامعيين يتسيدون وظائف وزارة الداخلية، فكان وكيل الوزارة دوماً من الضباط الجامعيين الإداريين لأنهم يسبقون غيرهم من ضباط الشرطة في درجة المؤهل، لأن الشرطة كانوا من حملة الشهادة السودانية والإداريين جامعيين. وحينما قامت وزارة الحكم المحلي انفرد بها الضباط الإداريين.

بدأت العمل بعد تخرجي في كلية الشرطة في العام 1973 بإدارة المباحث الجنائية قسم التحقيق الجنائي، وكان مديره يومذاك العقيد بله عبد الله الحاردلو، الذي أصبح بعد تقاعده سفيراً للسودان بالصين ثم عضواً بمفوضية الانتخابات العام 2010 – 2015م، رحمه الله تعالى رحمة واسعة. وذات مرةٍ وأنا في قسم التحقيق رفعتُ ملفاً للضابط الأعلى المقدم – حينها - أحمد فتح الرحمن – رحمه الله تعالى بقدر شجاعته التي أكبرتها منه في هذا الموقف الذي سأحكيه – فقد أخطأتُ في ذاك الملف فيما يتعلق بالحدود الإدارية لبعض "المديريات"، الأمر الذي ينبني عليه مبدأ الاختصاص القضائي، فاستدعاني وساءلني بقوله: (إنت ما بتعرف جغرافية)، فاعتذرتُ له بأن هذا "الاختصاص" تحدده الحدود الإدارية وليست الجغرافيا، وانتهى الأمر على ذلك، فالمساءلة وحتى التوبيخ الشفهي هو توجيهٌ  مقبول إيجازياً، أو تسير المحاسبة بإجراءاتها غير الإيجازية وتدوَّن الدفوعات عندها، غير أني تفاجأت بأنه كتب في ظاهر الملف عبارة: (فَتِّحْ عِيْنَكْ)، وهذا أولاً: ليس إجراءً إيجازياً، وثانياً: فإن هذا الملف يحمله "المراسلة" ويطَّلع عليه "صف الضباط" والزملاء، وينال من مكانتي المحترمة بين القوة، ولذلك تحدثت إليه في هذا وقلت له:(إنت فتِّح عينك)، وأوقفتُ الأمر بذلك أن يصل إلى القيادة الأعلى ففيها مَن سيؤيده عن غير هدىً على ازدراء الضباط بحسبان ذلك من الانضباط المطلوب.  ودارت الأيام والسنين ثم تقابلنا بعد تقاعده ذات يومٍ في وزارة الداخلية، فاحتضني وهو يردد (فَتِّحْ عِيْنَكْ) (فَتِّحْ عِيْنَكْ)، فتعلمت من ذلك الكثير، أهمه فضيلة الرجوع إلى الحق والاعتراف به.


 
ومن قضايا التحقيق الجنائي العالقة بالذاكرة، قضية الدورية العاملة بـ"نقطة سوبا" جوار مستشفى سوبا التعليمي – وذلك على عهد مدير الشرطة الفريق أول عبد الله حسن سالم(7 / 4 / 1976م - 4 / 7 / 1981م) إذ ضبطت 
الدورية عملية تهريب أربعة متهمين لعدد من الأسلحة والذخيرة داخل جوالات من محصول "الويكة"، وحيث أن يومية التحري – والتي يعدها قسم السجلات في الشرطة - تعمم عادة على الأجهزة الأمنية العسكرية كافة فقد قضية وجدت اهتمام قيادات الشرطة والجيش والأمن على أرفع مستوى، لأن المتهمين كانوا من إحدى ولايات دارفور التي تشهد انفلاتاً أمنياً تمثل في عمليات النهب المسلح للمواطنين العابرين وكانت الخشية من تهديدٍ أمني هدامٍ عبر صحراء ليبيا على غرار أحداث 1976م العابرة من صحراء ليبيا هاجساً كذلك – وبعد تشكيل لجنة عليا 
من الجهات الثلاث؛ الشرطة التي يمثلها المدير العام والقوات المسلحة التي مثلها الفريق/ توفيق أبو كدوك وجهاز الأمن، فقد تقرر إرسال متحرٍ لاستبيان مصدر السلاح فتم تكليف اللواء شرطة حسين عثمان أبو عفان - مدير إدارة المباحث المركزية حينها - لاختيار قيادة فريق التحري فتم تعيني لقيادة الفريق الذي ضمَّ إلى جانب الشرطة ممثلاً لجهاز الأمن بضابطٍ من حي السيد المكي يُدعى "مكي". فاخترتُ حرساً للمتهمين، واستعنت بأفراد المباحث الولائية في الولاية المعنية تقديراً لإمكاناتهم ولمعرفتهم بطبيعة المنطقة والزعامات القبلية والإدارية فيها وإلمامهم التام بلهجاتها المحلية. وتم تزويدي بالمال لشراء أسلحة للمهمة. ومن التحري الدقيق تبين أن مصدر السلاح كان مجموعةً من مسلحي قبيلة "التقراي" الأثيوبية الهائمة والتي أنهكها الفقر فاضطروا لبيع سلاحهم لهذه المجموعة والتي كان دافع شرائهم للأسلحة المعنية هو حماية ممتلكاتهم من الأنعام والمواشي.  
حسين عثمان أبو عفان

على الرغم من كون الشرطة هي "قوة نظامية مدنية" غير أن مفهوم الانضباط فيها يغاير المفهوم لدى القوة العسكرية الأولى وهي الجيش، فبينما مفهوم الانضباط في الجيش يعني طاعة القائد الأعلى رتبةً طاعةً عمياء – هكذا يصرفها العرف العسكري - فإنه في الشرطة يعني الطاعة على خلفية شرعية التوجيهات، فلا طاعة لتوجيه
خالف القوانين والنظم، وقد يخضع المنفذ للمساءلة ومن ثم تحمل كامل المسؤولية عن تصرفاته ولو كانت على ضوء توجيه أعلى، إن كان هذا التوجيه مخالفاً للشرعية. وهذا الأمر يغيب عن الكثيرين حتى من المنتسبين للشرطة بل قد يغيب عن كثيرٍ من القادة، وهو الأمر الذي جلب لي متاعب جمةً في تجربتي الشرطية لكن لم يكن من سبيلٍ للتصرف معي فيها سوى بالنقل التعسفي الذي تجرعت قبوله مراتٍ، وكان من أسباب استقالتي التي ختمت هذه التجربة على النحو الذي يرد إن شاء الله.

ثم نُقلت للعمل بمكتب المباحث بمطار الخرطوم، بعد عودة المباحث الجنائية لوزارة الداخلية بعد ذهاب حكم الرئيس نميري.

فقد كان "البوليس السري" في العهود التي سبقت حكم الرئيس نميري هو المطلع بالأمن العام بما فيه العمل السياسي باعتباره نشاطاً مدنياً تطلع بمراقبته الشرطة في الدول المحكومة مدنياً، فنشأ في العهد الديمقراطي الأول بالسودان "بوليس الأمن العام في عام 1964م. غير أن عهد الرئيس نميري العسكري شهد قيام جهاز الأمن العام المستقل عن الجيش والشرطة ليقوم بمهام الشرطة في تلك الشؤون، في العام 1970م إذ تم تكوين "جهاز الأمن القومي" الذي قام بتأسيسه الرائد مأمون عوض أبو زيد وهو المؤشر لتحول عمل المخابرات والأمن من البوليس للجيش. وفي العام 1978م تم تأسيس "جهاز أمن الدولة" تحت قيادة اللواء أركانحرب عمر محمد الطيب، وبذلك ألغيت "شرطة المباحث الجنائية" لتعود مجددةً ومطورةً على يد العبقرية الشرطية سعادة العميد قرشي فارس الذي 

الرائد/ مأمون عوض أبو زيد
كان المشرف على دفعتنا الدفعة (31) بكلية الشرطة، وحينما كلف بإعادة شرطة المباحث الجنائية على إثر القرار الشهير بحل "جهاز أمن مايو"، فطور المباحث الجنائية بصورة علمية وذلك باستحداث "التحقيق في جرائم القتل الغامضة" بفريق متفرغ لها، وأوجد كفاءات من الجامعيين المختصين للسجلات الجنائية ليصدروا "التقرير الجنائي اليومي" و"التقرير الجنائي الشهري" و"التقرير الجنائي السنوي" - وتلك التي أفادتني في بحثي لنيل درجة الماجستير فأفدت من سجلات "معتادي الإجرام" أخضعت ثلاثمائة استمارة منها من أصل خمسة آلاف استمارةٍ للدراسة والتحليل – كما استحدث العميد قرشي فارس فريق دراسة الأساليب الإجرامية للمجرمين وتصنيفهم حسب اختصاصاتهم في الإجرام ودوائر اختصاصاتهم الجغرافية في الجرائم. كما استحدث تحقيق الشخصية بالبصمة وغيرها واستحدث المعامل الجنائية في المباحث. وفعَّل عضوية السودان في البوليس الدولي "الإنتربول" بتبادل معلومات الجرائم المنظمة إقليمياً ودولياً.

الفريق شرطة صلاح ميرغني علي التوم
فكر العميد قرشي فارس في استعادة مكتب المطار الذي كان إحدى النقاط الحيوية لعمل المباحث الجنائية، فالمطار مدخل ومخرج التهريب، ونقطة تحقق الشخصية وغيرها من مهام المباحث الجنائية. فقام قرشي فارس باختيارنا ثلاثةً من رفقاء الدفعة ونحن برتبة الملازم أول 
العميد شرطة قرشي فارس
ورأس المكتب حينها النقيب صلاح ميرغني - الفريق أول لاحقاً ونائب المدير، وهو من دفعة الجامعيين الأولى، وهي الدفعة (26) التي تخرجت في العام 1970م. وعلاقتي به الاجتماعية علاقة نسبٍ وصهر، فهو متزوج من أهلنا المحس. وهو من عداد القادة المشهود لهم في الشرطة بالوعي والنزاهة والاستقامة مع الهيبة والحسم والإقدام – خُصِّص لنا في المطار جناحٌ في مدينة الحجاج الملحق بالمطار، وهذا الجناح هو مخازن قديمة للأسواق الحرة قبالة مواقف الطائرات ، وعلى أن يشاركنا فيه ضباط الطيران المدني تحت 
التدريب بمعهد الطيران المدني، فرفضنا العرض أولاً لأن مكتب الشرطة قبل الإلغاء كان داخل صالة المطار، لكن قبلنا مؤقتاً بالأمر برغم توجس ضباط الطيران المدني من وجودنا بجانبهم، غير أن العلاقة تحسنت بيننا واستفدنا من وجودهم في المراقبة الجوية وإدارة المطار وغيرها من المرافق. ثم تحول المكتب بعد فترة قصيرة إلى داخل المطار.

لواء/ محمد عبد الملك الطاش
عاصرت في المباحث العميد قرشي فارس ثم العميد حسين عثمان أبو عفان وعملت معه كذلك في المكتب السري للمباحث الجنائية، وكان المكتب السري يومذاك يديره اللواء محمد عبد الملك الطاش وهو خريج جامعة القاهرة. وأنا في المكتب السري للمباحث الجنائية خاطبنا مدير شرطة نهر النيل العقيد بله عبد الله الحاردلو - مديرنا في التحقيق الجنائي سابقاً ومدير شرطة نهر النيل إذ ذاك – وذلك بغرض تدريب ضباط في أعمال المكتب السري وكان المقدم عمر عشرية ضابطاً بالإدارة فحمل إليه الخطاب، فسأله الحاردلو عن كاتب الخطاب، وعندما أخبره أنه العميد أحمد إدريس قال: لم أستغرب فهذا أسلوبه وأشاد بخط وأسلوب الخطاب، فقابلته وهو في المعاش فداعبته بالقول: تلك ثقافة وفراسة البادية وعلمكم بالأثر والمسير، فالرجل من آل الناظر "أبو سن" شيخ الشكرية و"البطانة".

وعملي بالمكتب السري للمباحث هو الذي هيأ لي النقل إلى المكتب السري برئاسة الشرطة، حيث مطبخ القرارات إذ يتم فيه إعداد مقررات الاجتماعات وصياغة المذكرات ومسودات القرارات، وبذلك يتصل القائم على المكتب السري لرئاسة الشرطة بمدير عام الشرطة ومدير المكتب التنفيذي لوزير الداخلية. وقد شاركت في صياغة عدد من القرارات المهمة.

الفريق أول/ عباس مدني
وبقيت بالمكتب السري للمباحث حتى مجيئ اللواء عباس مدني – حينها - مديراً عاماً ونائبه اللواء إبراهيم أحمد عبد الكريم الذي نقلني إلى "الإنتربول" الذي هو جزء من المباحث، وذلك بسبب أمرٍ أحدث توتراً كبيراً في علاقتي بالمدير اللواء عباس مدني، وحاصل الأمر أنه أصدر توجيهاً لي عبر سكرتيره النقيب حينها وأنا أدير المك
تب السري بإيصال "يومية الحوادث" - التي يصدرها قسم السجلات الجنائية التابعة للمباحث و"إدارة الإحصاء الجنائي" فيها، ولا شأن للمكتب السري بها ولا لي غير أن صورةً منها ترِدُ إلينا في المكتب السري لنرسل منها صوراً للجهات المختصة فهي ليست من اختصاصنا، كما أنها في آخر الأمر تُنشر في الجريدة الرسمية فهي ليست شأناً سرياً يلي "المكتب السري"، وبما أن "الإحصاء الجنائي" يتبع لمدير المباحث الجنائية فمن الطبيعي أن يوجه الأمر للضابط المسؤول عنها لتوصيل اليومية- بل أمر اللواء عباس مدني أن أوصلها بشخصي إلى النائب العام حينها مولانا مهدي الفحل، كان ذلك في العام 1979م – وقد صارت المباحث الجنائية تتبع للنائب العام حسب قرار رئيس الجمهورية النميري ذلك القرار الذي ألغى وزارة الداخلية – وعادةً ما أقوم بإرسال هذه اليومية إلى مكتب وزير الداخلية - "مفتش الشرطة" حينها- وغيره من الجهات المختصة مع المساعد شرطة/ حسين، وعليه أرسلت التوصيات للنائب العام/ مهدي الفحل مع المساعد/ حسين. فاتصل النائب العام من مجلس القضاء العالي وطلب إرسال "يومية الحوادث" له في المجلس. وقد فهمت مقصده من ذلك وهو الاستعراض بضباط الشرطة وهم يحيونه أمام الملأ، فقمت بإرسال اليومية له مع المساعد/ حسين كعادتنا في ذلك. وقانون الشرطة لا يجيز استخدام الشرطي أو تكليفه بما لا يختص به من أعمال، كما أنه ليس من طبيعة عملي "المراسلة" ولو كان إعداد اليومية مما يلي أعمالي لكان من السائغ أن أوصلها لأية جهة بنفسي لعلها تطلب استعلاماً عن أمرٍ ما تحتويه. ثم استدعاني اللواء عباس مدني – رحمه الله تعالى – واستوضحني فأجبته بما أراه. فغضب جداً وطلب مجيء نائبه اللواء إبراهيم أحمد عبد الكريم – الذي درَّسنا في دورات الشرطة – فدافع عني بأني لا يتوجب عليَّ معرفة مجلس القضاء العالي، فضابط المباحث يعرف المحاكم لا سواها من المؤسسات العدلية، لكن اللواء عباس كيَّف الأمر بأنه عدم انضباط وتوعّد بإعادة الانضباط.

عمر عشرية
جذبت هذه الواقعة اهتمام الزملاء من الضباط وترقبوا ما سيرسو عليه الأمر بعد أن علموا إصراري على مبدأ الانحياز لمؤسسة الشرطة وتصرف اللواء عباس مدني، فصار الأمر وكأنه قضية رأي عامٍ شرطي، وقد طلب مني بعضهم الاعتذار له فرفضت. ثم إني رأيت أن أقضي فترةً "راحة" لعل الأمر يستقر، فطلبتها عبر السيد اللواء شرطة محمد فضل عبد الكريم، ثم جيء من بعدي بدفعتي فاروق عبد الله حمزة ليحل محلي فترة غيابي فأخذ يوصل اليومية بنفسه للنائب العام. وعند انتهاء فترة راحتي وعودتي للعمل تطلع الجميع لمعرفة ما سيكون عليه الأمر معي في إيصال التحريات بنفسي، فرفضت ذلك، فاتهمت بادعاء المرض تهرباً من العمل وكُلِّف المقدم حينها عمر عشرية للتحقيق معي، غير أني تمسكت بصحة قرار الطبيب في الأورنيك المرضي ولم أتجاوب في التحقيق بغير ذلك، فانتهى الأمر على ذلك. فرأى اللواء إبراهيم أحمد عبد الكريم حينها أن استمراري في المكتب السري الذي يدعوني للتعامل اللصيق مع مدير المباحث متعذرٌ فنقلني للعمل في "الإنتربول" الذي هو جزء من المباحث المركزية. في تلك الأوان كان اللواء - حينها - عبد الله حسن سالم واللواء فيصل خليل يراقبان الأمر وهما مرتاحان لموقفي المبدئي ذلك.

لقد أورثني إيماني بالعمل الشرطي غيرةً على الشرطة وانتماءً لشعاراتها إلى حد كوني استلهمت تسمية أولادي

من شعار البوليس الدولي "الإنتربول" الذي تكون شعاره من ميزان وسيف والكرة الأرضية، فأسميت ولدي "خالد" تيمناً بخالد بن الوليد الذي قال فيه النبي r:( نعمَ عبدُ ال
الفريق فيصل محمد خليل
لهِ خالدُ بنُ الوليدِ ؛ سيفٌ من سيوفِ اللهِ)، وأسميت ولدي "عمر" تيمناً بعمر بن الخطاب وسيرته في العدل وقول الرسول
r فيه:( إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ).

ثم من بعد ذلك وذات مرةٍ وأنا مناوبٌ ضابطاً عظيماً في رئاسة الشرطة دخل عليَّ اللواء فيصل خليل – مدير الإدارة العامة حينها، وكان راجل حقَّاني أراد حمايتي من اللواء عباس مدني– فسألني هل تريد النقل إلى شرطة ولاية الخرطوم؟ فأجبت بالقبول، فنقلني إلى رئاسة شرطة القسم الأوسط بأم درمان.

وكان مدير شرطة محافظة أم درمان حينها اللواء محمد صالح المهل، وكانت من عادته أن يطوف أحياء أم درمان وحاراتها ليلاً لتفتيش المراكز، فكم من مرةٍ صادفته أو صادفه زميلي العميد صالح الجاك أثناء نبطشيتنا، فصار يعتمد علينا. ثم طلب مني تولي رئاسة قسم أم بدة – فقد كانت تزعجه – فقبلتُ مشترطاً أن أكون مستقلاً عن القسم الجنوبي – وكان قسم أم بدة - يتبع للقسم الجنوبي – وذلك لبعده، كما اشترطت تزويد القسم بعربة حوادث لكثرة إجراءات حوادث القتل؛ من استجلاب شهود أو مراجعة المستشفيات أو ضبط متهمين، فخصص للقسم "لوري" جديد ماركة "أوستن". وكانت أم بدة في مساحتها المخططة للسكن قليلة المساكن ولكن السكن العشوائي كان كثيراً ولذلك كان الأمن فيها مضطرباً وكانت قبائل مختلفة تسكن أم بدة منها القريات والدناقلة والفلاتة والشوايقة والهواوير.

محمد صالح المهل
  وأذكر أنني في تلك الحقبة قضيت أيام العيد بالقسم ولم أزر أهلي لأحداث وقعت قبله بين الفلاتة والقريات بسبب نزاعٍ حول بئر خلَّف اثنين من القتلى ومجموعة من المصابين. وأمضيتُ أيام العيد في القسم بين استجواب الشهود أو ضبط المتهمين، كما كان القسم محاصراً بعدد كبير من المؤيدين للطرفين الأمر الذي دعاني للاستعانة بقوة الاحتياطي المركزي. وقسم أم بدة من الأقسام التي يضطر فيها ضابط المباحث إلى تطبيق كل قانون الإجراءات الجنائية.
العميد/ صالح الجاك


نقيب الجنايات/ أحمد إدريس أحمد يوسف