إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الثلاثاء، 30 ديسمبر 2025

   الأستاذ اللواء/

أحمد إدريس...

أحاديث الزمان والإنسان (4)

         كلية الشرطة السودانية ... تاريخٌ وتجربة (أ)

   
     العمل الشرطي السوداني هو تجربة مجتمعية تراكمية سايرت كل الأوضاع الاجتماعية في السودان وإن تحورت في بعض أوضاعه السياسية، فقد عرفتها حضارة كوش والسلطنة الزرقاء في شكل حراس المدن وحجبان الحكام والسجانين والعاملين على المقاصل. وطورتها فترة الحكم التركي للسودان بأن أشركت زعماء القبائل والإدارات الأهلية في تلك الشؤون بجانب قوات "الباشبوزق" و"الجهادية". وأصَّلت المهدية مسميات الوحدات فسمَّت "الخيالة" و"المبشرين" و"الملازمين". وأرست شكلها الحالي بدرجة كبيرة حقبة الاستعمار البريطاني بالقوانين والتدريب والهيكل المتدرج.
    ويبدو أن أول شكل للشرطة في عهد التركية بترتيبها وتدرجاتها وتنظيمها يمكن أن يُلاحظ مما أورده الدكتور محمد إبراهيم أبو سليم من خطاب حكمدار السودان إلى الخديوي في 1287ه الموافق 1870م، والذي أبدى فيه خطته لتطوير مدينة الخرطوم، فجاء في إجازة الخديوي لخطته ما يلي: (ولما كان ترتيب الضبطية ومأموريه على النحو الآنف ذكره سيترتب عليه أن يناظر حفظ الأمن العام والمنازعات والمخاصمات بهؤلاء المأمورين، فيجب اختيار الموظفين برجال العمل المتحلين بصفات الاستقامة لتعتمدهم العامة، وكذلك يجب اختيار "القواصين" من عساكر الباشبوزوق المهذبين لا من غواة الهندام والجراءة والسفه والتهتك. وبما أنه
محمد إبراهيم أبو سليم

سترسل 400 كسوة لإلباس هؤلاء فيجب إعطاء كل واحد كسوتين، وتعيين "بلوك باشي" على رأس كل تسعة منهم، وعلى رأس كل 50 نفر ملاحظ "قفوش أغاسي"، وأن يعطى النفر ماهية قدرها 200 قرش و"البلوك باشي" 250 قرش والقفوش أغاسي 350 قرش. على لا يزيد عددهم على 200 نفر الآن ثم يوزعون على البنادر بحسب أهميتها)
(د. محمد إبراهيم أبو سليم: تاريخ الخرطوم، ط دار الجيل - لبنان، ص32). فيلاحظ المسميات الشرطية مثل "الضبطية" وهي القسم و"المأمور" و"نفر" و"باشا" أي رئيس بالتركية، مثل "أُمْ بَاشى" وهو رئيس المجموعة، وقد حافظت بعض هذه المسميات على وجودها في العهود اللاحقة بتطوراتها في العمل الشرطي. وقد وردت في توجيه الخديوي الأفكار الأساسية في العمل الشرطي فمن ذلك الاهتمام بأخلاق الشرطي وما يتطلبه قبول المجتمع له لا مجرد التنظيم والمظهر. وتبدو عبقرية الخديوي العسكرية في هذا التوجيه، فإن مافيا العسكرية تتصيَّد بخوارم المروءة فتُلجِئ العسكري إلى أوكار السُكْر والقمار والمومسات ثم تستخدمهم في خرق القانون وإيذاء الناس ثم انهيار الأنظمة وضياع الأمن العام. والأمر الآخر هو "مدنية العمل الشرطي" فالحكومة لم تسلح هذه القوات، وهذه الفكرة جوهرية عظمى في الفكر والعمل الشرطي، وقد تغيب على قادة عظام في مرحلة من المراحل أو ظرف من الظروف، وقد عرَّف قانون الشرطة لسنة 2008م في المادة (5) منه الشرطة بأنها (قوة نظامية خدمية)، في حين عرَّف قانون القوات المسلحة لسنة 2007م في المادة (5) منه "القوات المسلحة" بأنها (قوات عسكرية قومية)، فالشرطة عمل مجتمعيٌ إصلاحيٌ يلتقي بالفكر التربوي في السعي لإصلاح الفرد والمجتمع.
      وهنا لابد من وقفة إشادة وإكبار لموقف رجلٍ عظيمٍ في تاريخ الشرطة السودانية ألا وهو طيب الذكر المرحوم الفريق أول ركن عصمت عبد الرحمن وزير الداخلية الأسبق الذي تقدم باستقالته من منصبه في العام 2017م على خلفية طلبه من البرلمان الأمر بإرسال قوات عسكرية من القوات المسلحة إلى "جبل عامر" الغني بالذهب في غرب البلاد لوجود "عصابات مسلحة أجنبية"، ولأن التعامل مع الأجنبي هو شأن شرطي إلا أن التعامل مع "المسلح
فريق أول ركن عصمت عبد الرحمن
وزير الداخلية 2014-2017

ين" ليس من مهام الشرطة، فهي قوات مدنية تطبق القانون بإشراف السلطة القضائية لا باستعمال السلاح إلا بقدر الحاجة القانونية وبالسلاح المخصص لها من الهاروات بأنواعها والغاز المسيل للدموع. وإن لم تُكشف الحقائق والملابسات حول الاستقالة إلا أن بعض التسريبات تذكر أن سببها كان هلاك قوة من الشرطة تحركت نحو الموقع تحت إصرار البرلمان فأُبيدت بكمين نصب لها من تلك العصابات، ولعل خبرته الحربية جعلته يخلص النصح في ذلك فالرجل شغل رئاسة هيئة أركان الجيش من قبل. لكن يبقى الثابت ذلك الموقف التاريخي والأخلاقي من ذلك الوزير الذي سجل سابقةً ناصعة في تاريخ الشرطة السودانية، ألا رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
    في العام 1899م وبعد الغزو الإنجليزي المصري للسودان كلف اللورد كتشنر – حاكم عام السودان عن الحكم الثنائي - الكابتن عبد الجليل أفندي عصمت و30 ضابطاً ليكوِّنوا (قوات بوليس) بديلة للشرطة العسكرية التي كانت تحت الكابتن ستيوارت ألان بلاك منذ معركة أم دبيكرات وكانت تقوم بمهام الشرطة المدنية في غيابها. (اللواء شرطة (م) أحمد المرتضى البكري أبو حراز: كتاب المختصر في تاريخ الشرطة السودانية، ص 31)
    خلف كتشنر على السودان فرانسيس ريجنالد وينجت القائد العسكري البريطاني الذي اشتهر باسم (وينجت باشا 1899م - 1916م) - الذي أسس المصالح الحكومية وقسَّم

رئاسة بوليس أم درمان في عهد الاستعمار البريطاني


السودان إلى خمسة عشر مديرية – فألحق في العام 1904م مصلحتي السجون والشرطة بمكتب السكرتير الإداري، ليشرف عليهما نائب السكرتير الإداري.
    
    في العام 1908 صدر أول قانون للشرطة واستمر لمدة عامين، ثم انتدب (المستر ج ه بيلو مبرج) من بوليس الهند ليعمل في بوليس السودان فعُيِّن حكمداراً لبوليس أم درمان، فطلب تعديل قانون البوليس لسنة 1908م فصدر التعديل في 1910م ليمنع تعيين المصريين والأجانب في بوليس السودان.
    في العام 1913م تم افتتاح مدرسة تدريب المستجدين بأم درمان في موقع المجلس الوطني الحالي، حيث تخرجت فيها أول دفعة في يوليو 1913م، وفي ذات العام تم تسليح البوليس بالبنادق ماركة أربعة عيار (303). يرجع للمستر (بيلو مبرج) الفضل في نظام البوليس، فهو الذي ابتدع نظام (نقطة الدورية) التي يكون عليها (نفر) ويكون محيطها ثلاث كيلومترات، وابتدع نظام (الأربع خدمات) كل خدمة مدتها ست ساعات - عدلت في العام 1944 بمذكرة القومندان "كايلس" إلى ثلاث خدمات - ونظام الخدمات هو الأساس لحساب القوة المطلوبة للنقاط. كما أدخل نظام "علامة الخدمة" و"النمرة الصدرية" و"نوتة المذكرات" و"الصفارة" للنداءات و"عصا الجنب" بديلاً لسوط العنج. (اللواء شرطة (م) أحمد المرتضى البكري أبو حراز: كتاب المختصر في تاريخ الشرطة السودانية، ص 38- 39).
    وفي العام 1914م أصبحت قوة الشرطة السودانية التي كانت تابعة للجيش المصري ذات طابع مدني، وكان أفراد الشرطة في السودان في السنوات الأولى يجندون من بين أفراد الجيش المصري، ومنذ ا

(وينجت باشا 1899م - 1916م)

لبداية أصبحت لدى
المسؤولين البريطانيين تحفظات شديدة فيما يتعلق بأهلية المصريين للقيام بالمهام الأمنية فقد كانوا يعدون المصريين كسالى ومفسدين وأن السودانيين لا يثقون فيهم وعلى ذلك أعطيت الصلاحيات لحكام المديريات لاستبدال المصريين بمجندين من السودانيين. كانت قوة الشرطة في العام 1902م تتألف من واحد وخمسين ضابطاً وخمسمائة وواحد وأربعين شرطياً مصرياً وستمائة وسبعة وأربعين سودانياً وثمانين من المجندين محلياً وثلاثمائة وسبعة عشر من العرب. وفي عام 1905م تقرر العمل بلا مركزية مصلحة الشرطة حيث أصبحت تحت إشراف حكام المديريات. وأخيراً تمت الموافقة على نظام التجنيد المحلي إذ بحلول عام 1908م لم يبق في قوة الشرطة سوى ثلاثمائة وتسعة وثمانين مصرياً من إجمالي القوة البالغة ألفين وتسعمائة وتسعة وسبعين شرطياً. بالإضافة إلى رجال الشرطة النظاميين فقد كانت هناك قوة من الخفر المحليين في كل المديريات. يعمل هؤلاء الخفر عيوناً ساهرة تراقب الأمن في المدن، كما يستعملهم العمد في القرى رسلاً للاتصالات الأسبوعية مع المأمور.
    لم تعد مصلحة السجون في العام 1904م إدارة مستقلة حيث أصبحت تابعة لمكتب السكرتير الإداري. وفي الوقت نفسه أصبح قسم السجون لا مركزياً وأسند تنفيذ الحكم في كل المجرمين الذين تقل عقوبتهم عن السجن لعامين
اللواء شرطة/ أحمد المرتضى أبو حراز

إلى سلطات المديريات. أما المجرمون الذين حكم عليهم بمدد أطول في السجن فقد كانوا يرسلون إلى سجن الخرطوم المركزي. وبعد عام 1911م كانوا يرسلون إلى سجن بورتسودان للعمل في ورشة السجن أو في المصالح الحكومية الأخرى. أحدث الكم الهائل في تطبيق العقوبات الجنائية قلقاً لونجت وكرومر خلال سنوات الحكم الثنائي الأولى ولكن بحلول عام 1904م انخفض معدل العقوبات الجنائية.
       وكان السجناء السياسيون - بمن فيهم أمراء المهدية وأسرهم - يوضعون في معتقلات خاصة، بالإضافة إلى الذين ألقي القبض عليهم لقيامهم بثورات دينية منذ إعادة الاحتلال. فبعد أن كان أمراء المهدية يعتقلون في سجن دمياط خلال السنوات الأولى قرر ونجت في عام 1908م ترحيلهم إلى وادي حلفا حيث حبسوا في سجن خاص. (السودان في عهد ونجت - الإدارة الإنجليزية المصرية في السودان 1899-1916م. تأليف: جبرائيل ويربيرق- الناشر: كادقلي عاصمة التراث السوداني ص139-141).
    وفي عام 1925م نشأت أول مدرسة لتأهيل وتدريب ضباط الشرطة بمدينة أم درمان. وكان خريجها يتخرج كمعاون ضابط بوليس. وفي عام 1936م سميت المدرسة "مدرسة الإدارة والبوليس" وصارت تخرج ضابط بوليس في سلك البوليس ونواب مآمير في سلك الإدارة وذلك حتى العام 1948م حيث تم فصل سلك الإدارة عنها وسميت بـ"مدرسة البوليس" وكان موقعها بأم درمان حيث "المجلس الوطني" الحالي الواقع بين كبري أم درمان ومسجد النيلين.
    في العام 1944م طور القمندان كايلس نظام المستر(بلو مبيرج) فأعاد نظام السواري ونظام (الضبطيات، وهي الأقسام) اللذين كان معمول بهما في العهد التركي الأول، وأسس (مكتب البلاغات) الموجود بشكله الحالي، وألحق 

شرطة السودان في العام 1928م

 به مخازن الذخيرة والمعروضات والأمانات والهوامل. وأسس أقسام السجلات والإدارة ومخازن المبلوسات والمهمات. واستحدث نظام تعاقد العسكريين مع الحكومة، ونظام سجل الخدمة ودفتر الخدمة ونظام المرور الإشرافي.
(اللواء شرطة (م) أحمد المرتضى البكري أبو حراز: كتاب المختصر في تاريخ الشرطة السودانية، ص 39 - 40)

في العام 1948م تقدم ضباط الشرطة بمذكرة مطلبية أسفرت عن فصل كادر خاص للشرطة منفصل عن الخدمة المدنية.

في العام 1951م حدث إضراب أفراد الشرطة، وقد حظيت بمقابلة أحد أبطال هذا الحدث التاريخي ألا وهو جندي شرطة/ عبد الغني محمد بن عوف وهو من مواليد 1927 وأحد أعضاء لجنة العشرة الذين بدأوا التنظيم في صف وأفراد الشرطة لرفع الظلم الواقع عليهم وعلى البلاد. وقد أجريت معه هذه المقابلة بنادي "أبناء الباسا" في "الديوم الشرقية" بالخرطوم وذلك مساء 12/ 6 /1995 وذلك بوصفه من أوائل الفئة التي نالت حظاً من التعليم وانخرطت في الشرطة، وكان قد تلقى تعليمه بـ"خلوة" بالولاية الشمالية في حفظ القرآن الكريم، وتجند بالشرطة في العام 1944 وظل في رتبة الجندي حتى قيام الإضراب في يونيو 1951 حيث تمت محاكمته بالسجن سنتين بالتطابق، أُرسل على إثرها مع بعض زملائه للسجن بمدينة "الدامر". وقد أكد لي أن الإضراب كان قومي التوجه، فقال:( إن الإضراب كان نتاج دخول مجندين من خريجي الخلوة والمدرسة الأولية لأول مرة في سلك الشرطة، وقد بدأ ذلك منذ العام 1939، وقبل هذا كان الاستعمار يعول على الأميين لسهولة قيادتهم لخدمة أغراضه، وقد كان للضباط الوطنيين أمثال أحمد جلي وبلال العوض دورٌ في دخول هذه الفئة بعد تلقي تدريب لمدة ثلاثة أشهر وبعدها يتم الانخراط في العمل الشرطي)

كان جميع أعضاء اللجنة من الجنود فيما عدا رئيس اللجنة وكيل عريف/ عثمان عبد الرحيم رغم أن خدمته امتدت لأكثر من سبع سنوات، وهذه واحدة من المظالم المتعددة التي سعت اللجنة لمعالجتها إلى جانب السكن غير الإنساني، حيث كان يعيش الشرطي في قشلاق الخرطوم غرب هو وأسرته في غرفة واحدة(4r4) وحوش(4r4) ومرافق عامة لكل سكان القشلاق، إلى جانب ضعف المرتبات وانعدام الخدمات الاجتماعية الضرورية، هذا إلى جانب السبب المباشر المتمثل في تعسف قومندان الخرطوم/ جيمس وفرضه للواجبات بالقهر، أضف إلى ذلك الحقوق المهضومة.

لقد كان معظم أعضاء اللجنة القيادية للإضراب من خريجي الخلوة وحفظة القرآن وقد كان أيضاً الالتفاف حول اللجنة يتم عقب أداء القسم على المصحف. كذلك هذه الفئة المتعلمة أتيحت لها الفرصة للاطلاع على الجرائد المحلية والمصرية والإذاعات العالمية وقتها.

وقد بلغت النظرة القومية للمطالب إلى حد الالتفات إلى وضع الشرطة بجنوب السودان، إذ كانت الشرطة هناك ترتدي زياً غير لائق وغير منظم، وتضمنت المطالب مساواتهم بزملائهم في الشمال

وقد بدأ نشاط اللجنة في عام 1947 وانتهى بالاجتماع في مدينة بحري والخروج في مظاهرة للخرطوم وإعلان الإضراب في 1/6/ 1951 والذي كان عملاً شرطياً خالصاً ولم تشارك في الإعداد أو التنفيذ له أية جهة من خارج الشرطة. وفي اليوم الخامس والأخير للإضراب حضر كلٌ من "الشفيع" و"سلَّام" من قادة الحزب الشيوعي وخطبوا في الشرطة بثكناتهم بالخرطوم غرب بوصفهم متعاطفين مع الإضراب، وقد حظي الإضراب بتجاوب تام من رجال الشرطة بالخرطوم والأقاليم - رغم صعوبة الاتصال - فيما عدا الشرطة في الجزيرة التي كانت قيادتها قد سودنت بالضابط السوداني/ أمين أحمد حسين، وكذلك شرطة كردفان بقيادة/ يحيى عمران، لذا تم استثناء هاتين المديرتين من الإضراب وذلك حتى لا يفشل الاتجاه نحو السودنة. ومما تقدم يلاحظ قومية الإضراب من خلال الاهتمام بالجنوب والسودنة، كذلك نجاح الإضرار بإجماع الشرطة.

وفي عام 1952م تم ترفيع مدرسة تأهيل وتدريب ضباط الشرطة إلى "كلية البوليس" وانتقلت في ذات العام إلى حي "بُرِّيْ" بالخرطوم ويتخرج الضابط فيها بدبلوم .

وباستقلال السودان في العام 1956م انضمت الشرطة السودانية إلى منظمة الإنتربول "البوليس الدولي".

وفي العام 1977م أصدر الرئيس "نميري" تعديلاً وزارياً عدّل فيه اسم وزارة الداخلية إلى الداخلية والأمن وعيَّن الفريق عبد الوهاب إبراهيم سليمان وزيراً لها، وهو من أبناء أم درمان وكان قد عُيّن وزيراً للداخلية إبان فترة الغزو الليبي.

في العام 1979م قام الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري بحل وزارة الداخلية – سبق ذلك قراره في العام 1976م بإعلان الرياضة الجماهيرية وحل جميع الأندية والاتحادات الرياضية، بذريعة أحداث شغب في مباراة فريقي "الهلال" و"المريخ" على كأس "الثورة الصحية". وذلك بعدما أحرز المنتخب السوداني كأس "الأمم الأفريقية" عام 1970م- وجعل الرئيس النميري الشرطة تحت قيادة "مفتش الشرطة" ليختص بوحدات رئاسة الشرطة مثل "التدريب" و"الشؤون الإدارية" لا غير. كما أنه أعطى المديريات استقلاليتها عن المفتش العام. وقام بتكليف مدير الشرطة حينها الفريق أول عبد الله حسن سالم مفتشاً عاماً للشرطة، وبالرغم من جسامة وفداحة هذه الكارثة على الشرطة التي أخذ من اختصاصها عظم الظهر في العمل الشرطي وهو العمل الجنائي فأحال المباحث المركزية إلى النيابة العامة، والمباحث المركزية تشمل التحقيق، والأسلحة، وتحقيق الشخصية، ومعامل الأدلة الجنائية، وغيرها. فجرد بذلك الشرطة من مهامها الأساسية. ثم أتبع للشرطة وحداتٍ لم تكن تتبع لها وهي: الجوازات والجمارك حرس الصيد والمطافئ، ولعل الهدف من ذلك هو عسكرة هذه الوحدات وإتباعها للشرطة خشية الإضرابات التي تميز المدنيين عن العسكريين، فيضمن بذلك عدم إضراب منسوبيها لأي سبب. ولعل باعث الرئيس النميري في حل وزارة الداخلية شعوره بتفكك قيادة الشرطة يومها


والتي كان يرأسها الفريق أول عبد الله حسن سالم وهي تضم قادة أقدم منه أمثال الفريق عثمان أبو عفان والفريق علي يس إبراهيم.  وكلف الرئيس الفريق عباس مدني بالمباحث الجنائية، واللواء فيصل خليل الشؤون الإدارية وكانت شرطة المرور قومية واستقلت المديريات، وبذلك حدَّ من نطاق صلاحيات المفتش بصورة كبيرة جداً.

وفي عام 1979م تم تغيير اسم "كلية البوليس" إلى "كلية الشرطة" استجابةً لمقررات اجتماع وزراء الداخلية العرب الخاص بتعريب المسميات في الدول العربية. ولاحقاً في العام 1981م ثم إنشاء معهدين داخل كلية البوليس أحداهما لتدريب الضباط أثناء الخدمة في دورات حتمية قبل الترقي للرتبة الأعلى ويسمى بـ"معهد تدريب الضباط" والآخر لتدريب ضباط الصف والجنود في دورات تدريبية مختلفة وقد استمر ذلك حتى عام 1993م حيث تم فصل المعهدين عن كلية الشرطة بعد إنشاء "أكاديمية الشرطة العليا" والتي تولت تدريب الضباط أثناء الخدمة كما تم إنشاء معهد آخر منفصل لتدريب ضباط الصف والجنود، وعادت الكلية لمسماها القديم كلية الشرطة حتى عام 2000م تاريخ قيام "جامعة الرباط الوطني" والتي أصبحت كلية الشرطة إحدى كلياتها، ولتمنح خريجيها درجة البكالوريوس في علوم الشرطة والقانون.

أعيدت وزارة الداخلية في 1985م مع بداية فترة الديمقراطية الثالثة في حكومة رئيس الوزراء د. دفع الله الجزولي وتولى الحقيبة الفريق أول شرطة عباس مدني ليجمع بين مدير عام الشرطة ووزير الداخلية لفترة من الزمن. والجمع بين وزارة الداخلية ومدير عام الشرطة الذي حدث لأكثر من مرة في تاريخ الشرطة، أو تفويض صلاحيات الوزير منه لمدير عام الشرطة أضر بسلطة الاستئناف في التعسف في القرارات الإدارية، سيما أن شؤون الضباط عادةً ما تكون من مهام الو

الفريق شرطة/ عبد الله حسن سالم
زير ينظر في الاستئنافات المرفوعة له من قرارات النقل أو التحقيق وغيرها. كما أن طبيعة الموقعين مختلفة جداً فحين طبيعة عمل الوزير سياسية بالمقام الأول تتيح له العمل خارج الأطر الإدارية بما يحقق مصالح عامة أو توازنات اجتماعية فإن طبيعة عمل المدير العام إدارية بحتة تفرض عليه التقيد بالإستراتيجية القومية للشرطة وقوانينها بل يتقيد فيها بأعراف العمل الشرطي، كما أن المدير العام مسؤول أمام الوزير والجمع أو التفويض يلغي هذه المسؤولية.

منذ العام 1990م، شهدت الشرطة تغييراً كبيراً في بنيتها حيث دمجت قوات وزارة الداخلية في قوة واحدة عرفت باسم "الشرطة الموحدة"، وتم تأسيس "الشرطة الشعبية"، و"شرطة المنشآت الاقتصادية"، و"شرطة السياحة والآثار"، وشرطة "الطيران المدني"، و"الشرطة الأمنية"، وهي شرطة لرقابة انضباط قوات الشرطة، وأصبحت "قوة المطافئ" مؤسسة جديدة باسم "الدفاع المدني"، وتم إدخال العمل بالسجل المدني مشتملاً على الرقم الوطني، وكذلك تطبيق الرقابة الإلكترونية للمرور وجواز السفر البيومتري؛ أي  القياسات الحيوية كالسمات الجسمانية" مثل بصمة الأصبع والعين أو السمات السلوكية.

في العام 1998م عيِّن الفريق الركن عبد الرحيم محمد حسين وزيراً للداخلية حتى العام 2000م ثم أعيد للوزارة في العام 2001م حتى العام 2005م، فطوَّر كلية الشرطة إلى جامعة وعمَّق علاقتها المجتمعية بكليا

الفريق أول عبد الوهاب إبراهيم سليمان
وزير الداخلية 1977-1979
ت الطب والهندسة والعلوم الإنسانية، فكانت 

"جامعة الرباط الوطني"، وصارت كلية الشرطة إحدى كلياتها، وقام بها "مستشفى جامعة الرباط". وقامت أكاديمية الشرطة العليا تمنح درجات فوق الجامعي بجانب الدورات الحتمية للترقيات للشرطة .

وأرفق ذلك باستثمار جيد للشرطة - بالرغم  من قدم فكرة الاستثمار في الشرطة والذي كان متمثلاً في "التعاون" ذلك المتجر الذي لعب دوراً كبيراً في تخفيف عبء المعيشة على الشرطيين، وكذلك مساهمة الشرطة في "مخازن بورتسودان" والشراكة في صناعة الشاي- تمثل الاستثمار في العهد الجديد في قيام "مصنع مهمات الشرطة"، ومستشفى ساهرون، كما انطلقت إذاعة ساهرون صوت الشرطة السودانية على موجة الـFM، كما ساهمت جامعة الرباط في تخفيف عطالة الجامعيين باستيعابهم في الشرطة، ولن يكونوا بالطبع على سمت الشرطي حامل الشهادة السودانية، فبعد أربع سنوات الدراسة الجامعية يغدو الشرطي راشداً ومتزناً، ويذكر أن استيعاب الجامعيين في كلية الشرطة بدأ في عهد نميري، لكن بعد إكمالهم دراساتهم الجامعية بعيداً عن الشرطة.

الفريق ركن/ عبد الرحيم محمد حسين
وزير الداخلية 
(1998-2000)(2001-2005)
وفي عهد الوزير عبد الرحيم جاءت تجربة إنشاء مواقع بسط الأمن الشامل في الأحياء تلك التجربة التي تمت بمشاركة واسعة من مواطني الأحياء، وأنشأ مجمعات الخدمة الشرطية للجمهور.

كما أنشأ مدينة الهدي التي ضمت سجن الهدى وزوده بالورش الحرفية ومعامل الإصلاح للنزلاء، وأنشأ به المساكن الخاصة بالشرطة والمدارس لأبناء الشرطيين. وأقام المجمعات السكنية الفخمة للشرطة وأقام فندق الشرطة. وأنشأ صندوق الضمان الاجتماعي الخاص بالشرطة ومنشآته،  

        وشملت إنجازاته للشرطة المركز والولايات على حدٍ سواء.

لكن وزير التعليم العالي - قبل انفصال جنوب السودان وكان من الجنوب- اعترض على الاستثمار التعليمي في كليتي
الشرطة والحربية باعتبارها مرافق حكومية، وطالب بأيلولتها لوزارة التعليم العالي أسوة بالجامعات الحكومية، ولكن الجهات المسؤولة في الشرطة تمنعت باعتبار هذا 

د. الجزولي دفع الله (رئيس الوزراء 1985 - 1986م)

 الاستثمار خاص بصندوق العاملين. وقناعتي حتمية ولاية وزارة المالية على المال العام - أي كل مالٍ يدخل للدولة بأورنيك 15 - وهو يخضع لمراقبة المراجع العام، وأعتبر هذا تجنيباً للمال العام، وقد جلب هذا الأمر التهمة لوزارة الداخلية بالفساد، وعززه اضطلاعها بالتعليم الذي هو من شأن وزارة التعليم العالي وليس الشرطة. وقناعتي كذلك أن يترك الاستثمار للرأسمالية الوطنية (القطاع الخاص)، وهي قديرة بذلك، ودونك البرير ومأمون حميدة وغيرهم. أما المستشفيات فهي عمل مرفق للعمل الشُرَطي، لما يتعرض له الشرطي والنزيل والفحص الطبي الشرعي فهي وإن شابتها شائبة الاستثمار إلا أنها مما لا يتم الواجب إلا به.

الاثنين، 15 ديسمبر 2025

  الأستاذ اللواء/

أحمد إدريس...

أحاديث الزمان والإنسان (3)

         أنا أمدرمان...

   بعد إنشاء الاستعمار البريطاني للمؤسسات في الخرطوم ومجيء المؤسسات الغربية للعمل في السودان وانتعاش الحياة في الخرطوم، وفد إليها اثنان من أبناء "بلنارتي" وهما والدنا/ أحمد إدريس يوسف سليل اليوسفي والسيد/ نور الدين محمد نور الدين – يعتبر جدنا/ إدريس عبد الكريم من أعمامه – وقد التحق بـ"بنك باركليز" – بنك الخرطوم حالياً – في مهنة عامل، ثم لاحقاً وبعد تقاعده أدار بوفيه فرع البنك بشارع الجمهورية، مما مكنني من العمل معهم مساعداً غير رسمي استمتع بحركة الإداريين فيه والعمل الحسابي، فكنت أنقل الملفات من مكتب لآخر وأحضر الطلبات لبعضهم. أما والدنا فقد التحق بالسكة حديد ضمن طاقم عربة البوفيهتزوج نور الدين محمد نور الدين من خالتنا "نفيسة صالح محمد بصير" بينما تزوج والدنا من شقيقتها "فاطمة صالح"، لم يرزق نور الدين الذرية، فقام هو وزجه على رعايتي وبقية أخوتي مع والدتي بعد وفاة والدي وشملني نور الدين برعاية والدٍ لولده، رحمهم الله تعالى جميعاً. 
خالتي/ نفيسة صالح "رحمها الله تعالى"
        رزق والدنا من البنين والبنات ستاً كنتُ أنا أصغرهم. وفي بعض رحلات القطار الذي يعمل فيه والدي إلى مدينة عطبرة - حيث كان يقيم أخي الأكبر محمد – اصطب فيها والدتنا، فما لبث أن وصل عطبرة بقليل حتى فاضت روحه وعمري حينذاك لم يتجاوز السادسة بعد.
      كانت "الموردة" هي الميناء النيلي الرابط بين السافل والصعيد – الشمال؛ الذي مثلته ولاية نهر النيل بدءاً بالشلال النيلي السادس، والجنوب؛ الذي مثلته ولاية الجزيرة وما خلفها – فكانت الحياة فيها تعج بسبب التجارة مع تنوع الحرف والمهن وكثرة الناس، فكان سوقها عامراً كحال مساكننا.
         قام منزل جدنا في حي "الموردة" مطلاً على الشط الشمالي من "خور أبو عنجة" – الذي حمل اسم القائد/ حمدان أبو عَنْجَة أحد أشهر قادة الثورة المهدية - وذلك عند ملتقاه بالنيل في "الموردة"، غير أن المستعمر وقف على هذا الموقع ذات يومٍ من أيام العام 1951م وأمر بإخلاء السكان منه بحجة أنها "واجهةٌ" وأنه ينبغي أن يؤسَّس فيها حيٌ سكني راقٍ بمساكن عصرية من الدرجة الأولى، فأمر بالإخلاء، ولكون غالب سكان هذه المنطقة من العاملين بحرفة صيد الأسماك فقد أمر بتعويض المواطنين أراضٍ للسكن قريبة من النيل بين "خور قرانفيل" وطريق "العودة" ـــ  وقرانفيل باشا هو أحد قادة الحكم الثنائي وهذا الخور يمر شمال قصر الشباب
والأطفال الحالي وفيما بين المجلس الوطني ومسجد النيلين ــــ فكان حي "بانتْ شرق" بأم درمان، ذلك الحي الواقع غرب "قصر الشباب والأطفال" الحالي، وفي مقابل "منطقة أم درمان العسكرية" التي تضم حالياً "السلاح الطبي" وسلاح المهندسين". وعل الرغم من التنفيذ الفوري للإخلاء إلا أن المستعمر لم يتمكن من إكمال تنفيذ خطته لبناء مساكم الدرجة الأولى في الموردة بسبب رحيله في العام 1956م.
        وكانت هذه المنطقة العسكرية في السابق تضم "الكلية الحربية" – قبل أن يقوم الرئيس الأسبق جعفر نميري بترحيلها من موقع "السلاح الطبي" الحالي إلى مقرها في "وادي سيدنا". وكانت هذه المنطقة العسكرية تضم كذلك "مدرسة المشاة" التي سميت لاحقاً باسم "معهد تدريب المشاة" والذي تم نقله لاحقاً كذلك إلى "جبيت" في شرق السودان، كما ضمت إلى جوار "معهد التدريب" "سلاح الإشارة" والذي تم نقله كذلك لاحقاً إلى مدينة "الخرطوم بحري"، كما ضمت "سلاح الموسيقى" القائم حالياً فيها، فضلاً عن سلاح المهندسين.
         وقد كانت رئاسة البوليس في أم درمان تناظر الحي من الجهة الشرقية، فـ"قشلاق" البوليس يقبع في مكان مسجد النيلين الحالي بينما تقع المكاتب الإدارية في موقع "مجلس الشعب" المجلس الوطني الحالي ومكان قصر الشباب والأطفال الحالي وتضم "مدرسة المستجدين" و"بُلُك الرئاسة" و"كلية الشرطة" التي كانت ذات مساقين؛ مساق لتدريب "ضباط الشرطة" والآخر لتدريب "الضباط الإداريين" وكان "الاصطبل" للخيول قائم في الجهة الشمالية، فقد كان "تدريب الفروسية" جزءاً أصيلاً في تدريب ضباط الشرطة والضباط الإداريين على السواء. وقد كان "نادي البوليس" حافلاً بالنشاط والمناشط الاجتماعية، بجانب ألعاب الطاولة والتلفاز، وبحكم تداخل أفراد وضبط البوليس مع سكان الحي - إذ كان القشلاق لا يتسع لكل العاملين بالبوليس – فكان كثيرٌ من المدربين يسكن داخل حيِّنا.

كانت لهذه المواقع العسكرية مؤثراتٌ صوتية وحركية أفعمت طفولتنا في هذا الحي، فقد كان نشاطنا يبدأ منذ سماعنا لصافرة الصباح تدعو العساكر للتجمع فنخرج محتفيين بذلك، مشاركين

الصبي/ أحمد إدريس

شعورياً ومشاهدين باستمتاع لحركات التدريب على الحواجز "العُقْلة" والحبال المعلقة" والتسلق وتخطي حواجز النيران المشتعلة والزحف تحت الأسلاك الشائكة. بل كنا نتمثل تلك الحركات فنلهوا بها في أوقات فراغ الميدان من العساكر، يساعدنا في ذلك مرونة أجسادنا وحبنا لتلك المشاهد. بل كنا نشارك العساكر في التدريب على عمليات "فض المظاهرات"، فكنا نشارك بالتمثيل كمتظاهرين ونسعد جداً لحملنا بـ"النقالات" باعتبارنا أُغمي علينا بفعل الغاز المسيل للدموع.

وعلى صعيد آخر وفي تطور لاحق لحياة الصبا كان لنا فريق لكرة القدم يضم أبناء الحي نشارك به في المباريات ضد فريق أبناء عساكر الجيش من جهة والفريق الآخر لأبناء قشلاق الشرطة الواقع شرق الحي، وقد تميزتُ بمهارات فائقة في هذه الرياضة في صغري أثارت إعجاب الكثيرين، لكنها لم تكن يومذاك بذات ما تلقاه اليوم من اهتمام العامة والخاصة وتُمتَهن كما هي اليوم، وبالتحاقي بجامعة القاهرة فرع الخرطوم فقد زهدت في الرياضة تلك.

وقد خصصت لنا في الحي الجديد قطعتان سكنيتان متجاورتان الواحدة منهما بسعة مئتي متر مربع، وكانتا تلي "قصر الشباب والأطفال" غرباً، وذلك تعويضاً عن دارنا الواسعة بالموردة، وكان من حقنا أن نعوض في "بانت" غرب التي كان التعويض بها بمساحة أربعمائة متر للقطعة باعتبارها درجة أولى، لأننا لم نكن نمتهن حرفة السمك أمثال جيراننا من أهل الموردة، لكن قدر الجوار ألحقنا بهم في التعويض. وقد عوِّض معظم "المحس" من "الموردة" في "بانت غرب" بمساحات تبلغ أربعمائة متر للقطعة، فقد كانت "بانت غرب" تعويضات أحياء "المقرن" في الخرطوم التي هُجِّرت لصالح إقامة حديقة الحيوانات أيام الاستعمار البريطاني.

      كان هذا الحيُّ الجديد جامعاً لمثيراتٍ حيويةٍ تجعل للحياة فيه قيمة إضافيةً، كما أنه ضم شخصياتٍ لها في الحياة السودانية وقعٌ كبيرٌ وأثرٌ ممتد، فقد ضم الحي في الجهة الشرقية منه منازل من الدرجة الأولى تخص كباراً، منهم السيد/ محمد أحمد الرَّبْعَةْ وهو والد صلاح الربعة ووالد البروفسور/ فتحي الربعة أستاذ الأحياء الذي اشتُهر بوضع امتحانات الأحياء لطلاب الشهادة السودانية، وقد كان زميلاً لشقيقي/ محمد. 

البروفيسور/ فتحي الربعة

وقد كان السيد/ محمد أحمد الربعة مديراً للكلية القبطية ورئيساً لاتحاد "رفع الأثقال السوداني"، ومن ملحقات منزله "دكان الربعة" الذي كان يقوم عليه أحد "اليمانية" وكان فوله مميزاً. وكذلك ومنزل عبد السيِّد -أحد كبار الطائفة القبطية التجار بأم درمان، وقد هاجر لاحقاً إلى أستراليا فاشترى منزله أحد كبار تجار أم درمان. ومنزل توفيق علي رخا، أحد كبار موظفي الدولة "الشُّوَام" الذين استعان بهم المستعمر حينذاك، لكنه اندمج في ذلك الحي السوداني إلى درجة أنه كان يشارك الصائمين من "السماكة" إفطارهم في رمضان بجردل من عصير الليمون. ثم زوّج بناته من سودانيين أشهرهم "ياور" الرئيس إسماعيل الأزهري السيد/ أحمد المرتضى فضل المولى الذي تزوج بنته الكبرى، ثم صار عند قيام "انقلاب 25 مايو" العميد أركانحرب وقائد القيادة الشرقية. كما تزوج بنته "نوال علي رخا" حسين أبو سمرة، وكان من أبنائه "منير" وآخر صيدلي وأصغر أبنائه كان قبطاناً بحرياً. وكان للسيد توفيق سبيل أمام منزله نقصده بعد كل تمرين لكرة القدم من "الدافوري".

ومن أشهر المنازل كذلك منزل السيد/ توفيق ود بتيخة، وكان مصرياً هاجر أبناؤه لاحقاً إلى أستراليا. وكذلك منزل الأميرلاي/ أحمد رضا فريد، قائد سلاح المهندسين يومها، والذي 
أصبح وزير الأشغال والثروة المعدنية في حكومة الرئيس عبود. ومنزل الأميرلاي/ أحمد مجذوب البحاري، وزير المواصلات الذي استأجر منزلاً في بانت.

ومن باب الطرفة فقد أطلق أبناء مسؤولي حكومة الرئيس عبود من الحي على فريقنا لكرة القدم – الذي تسمى بـ"النجم الأحمر" - لقب "فريق الثراء الحرام".

ما ضم الحي من الشخصيات العامة الشيخ/ إبراهيم الكبَّاشي زوج "حجة النعمة" – إحدى سيدات قبيلة "العقيلات"، وقد كان منزله "خلوةً" و"تكيَّةً"، ومجمعاً

اللواء أحمد عبد الوهاب نائب القائد العام

 عامراً مشهوداً سيما في المناسبات الدينية، فتكتحل الأعين وتمتع الأرواح بمشاهدة حلقات الذكر وأطايب الأطعمة وأفخم أنواع السجاد والأواني التراثية، حيث تحتشد جموع "الكبابيش" و"الهواوير".

ومن معالم الحي كذلك منزل السلطان/ جعفر علي دينار،  الذي تزوره عِلْيَةُ القوم من أمثال مكي المَنَّا.

كما ضم الحيَّ ابنة الشهيد/ علي عبد اللطيف العلم الوطني والمناضل الذي حفر في تاريخ السودان اسمه عميقاً، وقد كان دار ابنته هذا مزاراً لكبار الساسة في البلاد وفاءً لذكرى علي عبد اللطيف، كما كان الزعيم الأزهري يقيم به حوليةً سنوية لتخليد ذكرى النضال الوطني.

ولا نجد وجهاً للمقارنة بين الحياة المفعمة بالإثارة هذه في "بانت"، وتلك التي ألفناها من قبل في "الموردة" والتي حكمتها رتابة "الخلوة" في الصباح والمساء، مع قساوة العقوبة فيها والتي تشد وطأتها على الأطفال رهبة "الفَلَقَة". هذا لا ينقص قدر الخلوة في تأسيس الأطفال في تعليم الحروف ومهارة الكتابة والقراءة وجمال الخط فضلاً عن القدوة التي يمثلها شيخها الوقور،

فنأخذ عنه مع العلم تعلُّمَ الوقار والتوقيرَ لمرافق العلم والتدين، وأخذَ التدين ممارسةً وسلوكاً عن الشيخ.

غير أن صلتنا بالموردة لم تنقطع وذلك بسبب اتصالنا بالسوق نقضي فيه أغراضنا التي لم تكن سوق بانت الصغيرة توفرها.

أسست أول مدرسة في بانت في منزلٍ مستأجر له "صالون" كبير أقيمت فيه المدرسة الابتدائية الأولى قبل أن تبنى المدرسة الخاصة بالحي في "حي أبو كدوك" – ذلك الحي الذي حمل اسم أحد قواد الثورة المهدية وهو الأمير/ حسن بك أبو كدوك - ثم أنشأ مؤتمر الخريجين "مدرسة المؤتمر" بالحي بعد أن أشهر "كرومر" رغبته في تحجيم التعليم في السودان إلا بالقدر الذي يتطلبه دولاب العمل الحكومي، فأنشأ مؤتمر الخريجين المدارس الأهلية التي كان من بينها مدرسة المؤتمر

الشاعر/ إبراهيم العبادي
 بالحي والتي كانت مهرجاناً ثقافياً دائماً يقصده مواطنو الحي للتنوير الثقافي والفكري، وكان من إبرازاته الشعراء إبراهيم العبادي، وإسماعيل حسن.

وكان دار الوالد - كشأن غالب الدور القائمة بالعاصمة يومذاك - ملجأ الكثيرين من الأهل القادمين من الشمال، فكان المنزل مأوى الطلاب القادمين للدراسة لقضاء سنواتها بالعاصمة، وكان دارَ الإيواء لقاصدي العلاج في مشافي العاصمة يقضون معنا ما شاء الله لهم أن يقيموا، بل لم يكن عمدة بنارتي يومها - العمدة أحمد طه الملك - يفضِّل على دارنا فندقاً أو نُزلاً فيقيم معنا ما شاء الله له حتى يُبْرِم من أمر المشيخة مع مؤسسات الدولة المركزية وأعيانها ما يراه صالحاً لأهلنا. فعرفنا الأهل ومعدنهم وأخذنا من أعرافهم ما وصل انقطاعنا عن ديارنا الأولى.

ولذلك لم أجد وحشةً أو غربةً حينما جئتها منقولاً مديراً لشرطة الولاية الشمالية في النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي، بل عندما عرضت نفسي معرِّفاً بها بأني من "بلنارتي" احتفى بي الأهل حفاوة الغائب المنتظر.

لكن قدر الهجرة لم يتوقف على صعيد بيتنا على الانتشار في شعاب بلاد الله الواسعة فحسب، بل هاجرت عن دارنا أرواحه في بواكير عهدي بها، فقد انتقل الوالد رحمه الله تعالى وأنا على أعتاب 

العمدة/ أحمد طه الملك

السادسة من عمري، ثم تبعه من يكبرني من إخوتي ولم يبلغ الحلم بعد، ثم تبعه أخي الذي يكبر أختيَّ ثم تبعتاهما وبقيت بعدهم أمسح أشجان والدتي في عافيتي فإذا مرضت تألمت لمرضي وتفتأ تذكر أحزانها وتشكو بثَّها وحزنها إلى الله.

بُنِي ذلك المنزل على الأشجان والمودة الغامرة والتحنان بكل ألوانه، فلم تكن لنا في ذلك البيت أمَّاً واحدة بل أمَّين، وكنا نرضي أمنا نفيسة صالح قبل أمنا التي ولدتنا – فاطمة -وقد كانتا دوحةً من المودة الموروثة عن أمهم التي أوصت عند مماتها بنتها فاطمة بأختها الصغرى نفيسة التي كانت يومها طفلةً تصغر أمنا بنحو خمس أو عشر سنين، فكنَّا نحن الوارثين لتلك الوصية المستحقة وكانت أُمُّنا نفيسة – التي لم تُرزق من الأبناء سوانا نحن أولاء فاطمة – الأمَ الثانية لنا عطفاً ومودةً، وكان زوجها نور الدين محمد نور الدين والدنا بعد وفاة أبينا. فكانت دعوتي في أدائي للعمرة أن يكون لي بنتان باسميهما؛ فاطمة ونفيسة وقد استجاب الله سبحانه وتعالى لدعوتي، فأحسست أنهن امتداد لوالداتي.

أُصِبتُ في صغري بالتهاب الزائدة، وكان ألمُها شاقاً عليَّ، فاصطحبني شقيقي محمد إلى طبيبٍ هو والد بعض طلابه، وهو استشاري باطنية متفرغ، يدعى عبد الفتاح، وكان معروفاً بمشاركاته الاجتماعية الواسعة برغم انشغالاته الكثيرة في تطبيب الناس، وقد رفض أخذ أتعابه في الكشف عليَّ بسبب صداقته لمحمد وتعليمه أبناءه، وقرر عمليةً مستعجلةً تتم بمستشفى أم درمان، إلا أن الطبيب المناوب في المستشفى – برغم تدني درجته الوظيفية - رفض العمل بقرار الاستشاري الدكتور عبد الفتاح بحجة أنه لا يعمل بمستشفى أم درمان، وقرر أن مرضي ليس بسبب الزائدة وأنه لن يسمح بإقامة العملية، وبسبب ذلك تركنا مستشفى أم درمان وتوجهنا إلى مستشفى الشعب بالخرطوم وذلك بعد أسبوع من المعاناة والألم الرهيب، فقد حادَثَ الوالد نور الدين أحد أقربائه من "مروارتي" ويدعى هرون، وكان يعمل حاجباً لدى العيادة الخاصة لأحد أكبر الجراحين واسمه أحمد عبد العزيز – الذي كان رئيس قسم الجراحة في مستشفى الشعب، والذي أجرى أول عملية جراحة قلب مفتوح في الخرطوم لمريض سعودي - فأدخلنا إلى الحوادث، وخضعت فيها لطبيب "امتيار" طيب المعشر من الأقباط، مازلت أذكر اسمه "زوسر"، الذي اكتشف بعد فتحه البطن التهاباً حاداً في الزائدة وأن إجراء العملية خطيرٌ بسبب التأخر في إجرائها، فقرر أن يعالج ذلك الالتهاب بالمضادات، وبذلك كُتب لي عمرٌ جديد، فتحجرت الزائدة بعدها، الأمر الذي أمهلني زمناً طويلاً تمكنت بعده من إجراء عملية استئصالها في القاهرة حيث كان محمد مبتعثاً من قِبَل وزارة التربية والتعليم لنيل درجة الماجستير.

ومما يثير أشجاني في هذه الذكرى المؤلمة ما رأيتُه من مشهد الوالد نور الدين - نعم الوالد رحمه الله – إذ كان يمارضني - فيبيتُ معي في مستشفى الشعب رافضاً وجود شقيقي محمد بسبب دراسته في الجامعة - فعندما رآني الوالد نور الدين على تلك الحال وأنا أتألم وظن أنِّي قد شارفت على الموت انهمرت دموعه شفقةً عليَّ. فما تزال صورة هيئته تلك تثير العاطفة فيَّ فأترحم عليه، سقى الله قبره شآبيب الرحمة والمغفرة. وكان عمنا عبد الحي يدير بوفيه بنك باركليز "فرع الجمهورية" فيغطي للوالد نور الدين أيام غيابه عن العمل، رحمهم الله تعالى رحمة واسعة وأسكنهم فسيح جناته.

وكانت الوالدة – رحمها الله تعالى - لا تستطيع دخول المستشفى نفسياً إثر مشهدٍ رأته في طفولتها - ما كان ينبغي لطفلٍ مشاهدته - فصدمها من دخول المستشفى حتى ولو أنها مرضت أو اطَّرحها بعضُ أهلها، فكانت أيام مكوثي بمستشفى الشعب تحوم حول سور المستشفى، وكنت - بعد أن عادت إليَّ بعض قواي - ألتقيها عند السور فتطمئن قليلاً، لكنها تغلبت على تخوفها ذلك فيما بعد بسبب طبيبٍ "جمهوري" – من أتباع الأستاذ/ محمود محمد طه - كان يحترمها ويوقرها، فبسببه ألفت المستشفى، وكانت ترافقني في زياراتها للمستشفى وتمازحني بالقول: إن الناس إذا رأوها قالوا "هذه العجوز مستمسكة بالحياة". وعقَّبت على ذلك بالقول إنها لن تزول متمسكةً بالحياة ما دمتُ أعزبَ، فلمَّا اصطحبتها في أداء العمرة الأخيرة لها قررتُ الزواج وابتعثت خلفاء عني يقومون بعقد قراني، فقالت إنها الآن تبدو مرحبةً بالموت سيما وأنها تتمنى موتها وقبرها بالبقيع، ولها ثقة في الله أن يستجيب لها في ذلك، وكأنما قوله تعالى: )واللهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا(

 عامةٌ في شكوى كل مؤمنةٍ أو دعاءٍ لها ورغبةٍ و)إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِين(، فقد استجاب الله تعالى لرغبتها، فتوفيت رحمها الله في شهر شوال بعدما صامت أواخر رمضان في المدينة المنورة ودفنت بالبقيع في أبريل من العام 1994م.

كانت للوالد نور الدين – رحمه الله تعالى - زوجةٌ أولى قبل أمِّنا نفيسة صالح، وهي ابنة عمه (مكية إبراهيم نور الدين) حيث أنجب منها ولدين توفيا في صغرهما الأمر الذي أمرض أمهم "مكية" بقية عمرها الذي قضته في بيت أبيها بـ"بنارتي" حتى وفاتها. ثم تزوج الوالد نور الدين من أمنا نفيسة زوجةً ثانيةً وأمضى معها أكثر من 20 سنة لم ينجبا الأمر الذي حدا بأمنا نفيسة أن أصرت على زوجها نور الدين أن يتزوج، فتزوج من السيدة/ فاطمة عبد الله الزبير وأنجب ستة أولاد وبنت، وهم أحمد والفاضل – اللذين توفيا في صغرهما – ثم عوض الله والفاتح وأكرم وباسل وشذى. وقد كان منزل الوالد نور الدين مأهولاً دوماً بأبناء أخوته وأبناء عمومته من "بنارتي"، منهم "علي دول" و"محمد سيد أحمد محمد نور الدين" الذي كانت أسرته تقيم بالحارة السادسة وهو يقيم بمنزل عمه نور الدين الذي يجاور منزلنا فنشأنا سوياً، إذ درسنا بـ"الخلوة" سوياً وتزاملنا بالمدارس في مرحلة التعليم العام وعملنا سوياً بـ"مؤسسة التعاون"، ثم التحقنا سوياً بجامعة القاهرة فرع الخرطوم، برغم أنه يصغرني بنحو عامين إلا أننا كنا أشبه بالتوأم في حياتنا، حتى أطلق علينا زملاؤنا بالجامعة يمازحوننا – لِما رأوْه من تلازمنا – اسم (مرغني المأمون وأحمد حسن جمعة) ذانكما المغنيان الشعبيان الشهيران في فترة الثمانينيات بأغنيتهم الوطنية (جدودنا زمان وصونا على الوطن)، لقد وجدت فيه أخاً شقيقاً عوضني ذلك البين الكبير بحكم فارق السن بيني وبين شقيقي الأكبر محمد، وفي كل فترات اغترابه - التي قضاها خارج السودان قاضياً بسلطنة عمان - كان يستهلُّ رسائلَه لي بعبارة "توأم روحي". أمدَّ الله في أيامه ومتعنا بعمره.

كانت الوالدة فاطمة – رحمها الله - تتوق لتعلم القراءة والكتابة، فقد كان التعليم على عهدهم هو التدبير المنزلي، وكانت معلمتهم في ذلك الشأن مصريةً لذلك

أجادت الوالدة فن الطبخ، ومع ذلك لم تكن تأكل الحمام والفراخ - "الجداد" - ولا تأكل السمك إلا إذا طُبخ في البيت، لقد كان لأكلها مذاقٌ مميزٌ ونكهة.

كان يؤانسها بعض أعمامنا في زياراتهم فقد كانت امرأة  ناضجةً، متعددةَ المهاراتِ؛ "تُضَفِّرُ البِرْشَ" وتُفصِّل ملابسها للخياط، وتحرص وتوصي على سعاية برش الزواج وبرش الجنازة وكانت توصي بعدم اتخاذ "سراير - أَسِرَّةِ - الحديد" بسبب أنه لا يحمل الجنازة، فقد كانت الحياة والموت عندهم مقترنةً، فلا غفلةَ تجعلهم يحرصون على الدنيا. وكانت تسمع القرآن وتنزعج لضُعفِ "حجارة البطارية" فأجددها. تُقبل على الناس تراعي في ذلك مقاماتهم، وتقدُمُ على أهلها بتوازنٍ عجيب، كفعل الأنبياء في مساوات طبقات الناس في التعامل معهم.

كانت - رحمها الله - ذات سَمَرٍ وحكاية، تقصُّ علينا من أخبار "أبو زيد الهلالي" و"تونس الخضراء" وغيرها، ما يُثير خيالنا، فكأنما سردها مسلسلٌ تلفزيوني، فصرنا بذلك نجيدُ "الحَكِيْ".

كانت – رحمها الله - تتعهد واجباتي المنزلية فتعرف الخطأ وتسميها "الطيَّارات، كانت في ذلك تنوب عن أخي الأكبر محمد الذي كان مشغولاً جداً بعمله ويساهر له.

الخريج/ أحمد إدريس

كانت تحرص على مشاهدة نشرة الأخبار – وتعرف أسماء المسؤولين العالميين، فكان أبناء عمومتها يمازحونها فيسألوها عن أسمائهم، فسألوها ذات يومٍ عن اسم وزير الخارجية الأمريكي فقالت: كسنجر. وتأخذ مخرجات النشرة الجوية بجدٍ، فتأمر بألا تُخرج الأسرة في فناء البيت إلا بعد نشرة الأخبار الجوية ومعرفة حالة الطقس.

كانت والداتي حريصتين على صلة الأرحام، فكانتا تذهبان راجلتين من "بانت" إلى "بيت المال" و"أَبْرُوْف" و"الملازمين" لزيارة الأهل الأمر الذي بورك لهما في رزقهما فما أصيبتا بأمراض العصر الخطيرة حتى فارقتا الحياة.

كان هذا بيتنا الذي شكل في وجدانياتنا عاطفةً موَّارةً وذكرياتٍ شجيةً وإيقاعاً للحياة نعمنا به دهراً حافلاً بالحياة التي تشعبت مناحيها في "أم درمان" و"الموردة" و"بانت شرق".

بعد إكمالي دراسة المرحلة الثانوية استوظفت بمؤسسة التعاون بالدرجة (G) براتب قدره عشرون جنيهاً، كنت أسهم في نفقات المنزل بعشر جنيهات وأقضي احتياجاتي بالعشرة الأخرى، فقد كنت بذات الوقت أدرس القانون بجامعة القاهرة فرع الخرطوم في الفترة المسائية. وتعيين خريجي المرحلة الثانوية بنجاح في الوظائف الحكومية هي سياسة ابتدعها الزعيم السياسي الراحل الشريف حسين الهندي في فترة توليه وزارة المالية في حكومة محمد أحمد محجوب وحكومة الصادق المهدي الأولى. وقد هدفت تلك السياسة إلى تخفيف عبء المعيشة عن كاهل المواطنين وإكساب الخريجين خبرةً عمليةً عبر الاحتكاك بالموظفين العموميين، وحيث أن وزارة المالية هي 

الشريف/ حسين الهندي
الوزارة الممتدة عبر كل الوزارات فقد سهل توظيف الخريجين من الثانويين فيها بأعداد كبيرة، وكنا في عداد المستوعبين بإدارة المراجعة في مصلحة التعاون على عهد السيد/ عثمان أبو القاسم الذي تولى وزارة التعاون والتنمية الريفية. وقد سميت تلك السياسة في حينها بـ"بند العطالة"، لكن حكومة الرئيس نميري اعتمدتها في أول عهدها. وقد أفادتني هذه التجربة كثيراً في حياتي المهنية اللاحقة سيما في الإدارة المالية.