أحمد إدريس...
أحاديث الزمان والإنسان (4)
كلية الشرطة السودانية ...
تاريخٌ وتجربة (د)
في شهر يوليو من العام 1996م أصدر المدير العام الفريق أول عبد المنعم سيد سليمان قراراً يناقض كثيراً من النظم الإدارية والأعراف المهنية بنقلي مديراً لشرطة الولاية الشمالية، فتقدمت بطلب سلفيةٍ خصماً على المعاش أقابل بها التزاماتي في إدارة الشرطة بحسبان توقعي بأني سأكون قبلة كثيرٍ من الزائرين لحاجة ولغير حاجة، إلا أن المدير رفض طلبي إمعاناً في الخصومة والامتهان، برغم استحقاقي لتلك السلفية بحكم أقدميتي المهنية. فدخلت إلى نائب المدير العام الفريق أول صلاح ميرغني معترضاً على النقل إلا أن يستجاب لطلبي بالسلفية. فقال لي: نفِّذ ثم اعترض، وأمر لي بتذاكر الطيران ذهاباً وإياباً للولاية الشمالية تنفيذاً لقرار المدير العام. قمت بتنفيذ قرار النقل إلى الولاية فمكثت بها أسبوعاً استلمت فيه مرافقها وتلقيت تقارير عن قادة الوحدات ثم قفلت راجعاً إلى الخرطوم لأنقل كل ما لي فيها سوى حوائط منزلنا إصراراً على العيش في الولاية الشمالية بصورة تامة، وقد كلفت في هذا الأسبوع الأخ العقيد عمر محمد إبراهيم مدير الجوازات في الولاية، بالتقديم إنابة عني لشراء مساحة زراعية في ذلك العطاء الذي أعلنت فيه وزارة الزراعة بالولاية الشمالية عن بيع حصتها من الشراكة في مشروع "إكثار البذور" بمدينة دنقلا، ذلك المشروع الذي شاركت فيه الوزارة الشركة العربية لإكثار البذور.
بعد عودتي للخرطوم دلفتُ إلى مكتب الفريق أول صلاح ميرغني – نائب المدير العام – فاستقبلني مرحباً فإذا بنا نفاجأ بالسيد الفريق أول ركن/ بكري حسن صالح - وزير الداخلية يومها – زائراً لنائب المدير الذي قدَّمني له بوصفي مدير شرطة الولاية الشمالية الجديد، فحينها أخذ الوزير يطمئنني على ما سألقاه في الولاية ونصحني بألا أكترث من بعض المواطنين من أهله الذين
![]() |
| الفريق أول ركن/ بكري حسن صالح |
قد ينقلون له أخبار الولاية وسيرة العاملين بالخدمة العامة فيها، فأخبرته أني من الولاية الشمالية، وحينما علم بأني من بنارتي أخذ يحدثني عن بنارتي وأنه كان يأتيها برفقة والده – أحد شيوخ العمودية وقتها - لمقابلة العمدة في بعض الشؤون، فحدثني عن حدائقها الغنَّاء وجمالِ طبيعتها، ثم لمَّا علم بطلبي للسلفية أمر لي بها، فما كان لي إلا أذهب للولاية تجاوباً مع كرم السيد الوزير، وقد كان لهذا التعامل أكبر الأثر في صبري على العمل تحت إدارة المدير العام فيما تبقى لي من خدمة بالشرطة.
لقد تملَّك تفكيري عند حضوري للولاية الشمالية العثور على الدراسات الاجتماعية لمناحي الحياة فيها غير أني لم أجد فيها دراسات اجتماعية، وزوجتي خريجة علم اجتماع، كنت أؤمل أن تفيد الباحثين في الولاية في هذا الشأن. كما كنت أؤمن بضرورة العمل على توفير التعليم الخاص في الولاية، فقد أجريت اتصالاً بمدير "مدارس القبس" لتوطينها في الشمالية، فجاءوا لدراسة الأمر ولم يجدوا الجدوى الاقتصادية التي يطلبون.
لقد
وجدت في الولاية الشمالية كل التعاون من حكومتها والتفاعل من منسوبي الشرطة في
جميع وحداتها الأمر الذي انعكس على الأداء العام وأثمر كثيراً من الإنجازات برغم قصر
المدى الزمني لولايتي على الشرطة فيها.
استهليت عملي في الولاية بدراسة أكبر المهددات الأمنية بالولاية فوجدتها تتمثل في "طريقي الموت" اللذين يمتد أحدهما – وهو الطريق المعروف باسم "طريق المحيلة" - من جنوب الولاية انطلاقاً من مدينة "كريمة" عبر الصحراء إلى مدينة "دنقلا" في نحو ثلاثمائة كليو مترٍ، بينما يصل الثاني مدينة "دنقلا" بالحدود الليبية في نحو ثمانمائة كيلو متر، وقد قضى في هذين الطريقين من أهل الولاية أكثر ممن قضوا من أهلها في حرب جنوب السودان. وعند مجيئي للولاية أخبرت بتلك الحادثة الأليمة التي قضى فيها ركبٌ من المسافرين بين "كريمة" و"دنقلا" كان من بينهم أحد أساتذة جامعة "دنقلا"، فأخذت العزم على الحد من هذا المهدد الأمني فاصطحبت أحد خبراء السائقين من أبناء "كريمة" يدعى "عبد الجليل" وانطلقت أحدد هذا المسار بمعالم بين كل مسافة وأخرى، فوجدت النقطة الأولى المعروفة بـ"البير الأولى" تبعد ساعة زمنية من "كريمة" والنقطة الثانية والمعروفة بـ"البير الثاني" تبعد ساعتين زمنيتين من "كريمة" والنقطة الثالثة وهي مدينة "دنقلا" بعد ساعة كذلك، وقد كان السيد النائب الأول لرئيس الجمهورية المشير الراحل/ الزبير محمد صالح – فيما أ
![]() |
| الشهيد المشير/ الزبير محمد صالح |
حسب – قد زوَّد نقطتي "كريمة" و"السليم" بسيارتين بقمرتين مجهزتين بجهاز اتصال "لاسلكي" لطوارئ الضياع، فأصدرت لائحة مرور لهذا الطريق تقضي بتخصيص إحدى السيارتين للمرابطة بمدينة "كريمة" والأخرى بمدينة "دنقلا" في وضع الاستعداد الدائم، وأن تسجل المركبات المتحركة بين "كريمة" و"دنقلا" بأوقات تحركاتها وعدد ركابها وأن يتم فحص محتوياتها لمواجهة أي تأخير طارئ في الطريق ثم يتم إخطار نقاط الوصول بهذا التقرير، وأن يتم تحرك العربتين المخصصتين بالتزامن بحثاً في حالة تأخر أي سيارة متحركة في هذا الطريق لأكثر من ثلاث ساعات إلى نقطة الوصول. فكان لهذا النظام الفضل بعد لطف المولى عز وجل في حقن أرواح الكثيرين في هذا الطريق. كما أصدرت نظاماً مشابهاً لضبط حركة السير بين "دنقلا" والحدود الليبية والتي كان الناس – سيما النساء والأطفال من الركاب - يتعرضون لمدة ثلاثة أيام فيها لأوضاعٍ غير إنسانية من الاستظلال من حر الشمس تحت مركبات الشحن تلفح وجوههم الرمال وتلهب أجسادهم وهج الصحراء وزمهريرها، فمنعت سفر المواطنين إلا في سيارات سفرية تُعد للسفر في الصحراء، وذلك تكريماً للإنسان.
وعلى ذكر تلك السيارتين المهداة من رئاسة الجمهورية للنقطتين، أستطرد
في ذكر ما قد يحدث من اختلال في الأمور بسبب تداخل السياسيين في العمل العام، فقد تؤم
بعض المواطنين وفداً لمقابلة أحد السياسيين بمطالب لا يسعه المقام إلا أن يستجيب
لها وهو لا يحسب كل تبعات تلك الاستجابة، ففي حالة السيارتين هذه - وكانتا سيارتين
ذات "قمرتين" - فقد أعطيت الأولى لمدير شرطة المدينة وكان برتبة ملازم
فكان يستغلها في الوقت الذي لم تكن لمدير شرطة المحلية سيارةً مخصصة وهو برتبة
المقدم. أما السيارة التي خصصت لنقطة "السليم" فقد كان مدير شرطة الولاية
التي تقع السليم قريبة من رئاسته يمتطي سيارةً بقمرةٍ واحدة، ولذلك قام مدير شرطة
الولاية بعد فراقي المهنة باستبدال سيارته بالسيارة المخصصة لنقطة السليم.
الأمر
الثاني الذي شكل أولويات خطتي العاجلة في الشرطة هو الاهتمام بمعاش منسوبيها، إذ
أن راتب فرد الشرطة حينها هو سبعة عشر جنيهاً، فلو أنه ذهب للعلاج لذهبت بين الفحص
ومقابلة الطبيب، كما أن القوة الشرائية في مدينة دنقلا هي من أعلى المعدلات، بسبب
ظاهرة "الاغتراب" بدول الخليج التي فشت بين أهلهم، وقد كان الاستعمار أنشأ
بها ما عرف بـ"مشروعات الإعاشة" توطيناً للناس الذين ينزحون عن الولاية
كسباً للعيش. فعملتُ على إنعاش الحياة الاقتصادية والاجتماعية لأفراد الشرطة.
وفي
جلستي تلك بمكتب السيد نائب المدير بحضرة السيد الوزير أشار عليَّ الوزير بإنشاء
مستشفى للشرطة بدنقلا، ووعدني بالكتابة للجهات المختلفة من "جهاز الأمن"
و"السلطة القضائية" وحكومة الولاية للمساهمة مالياً في إنشائها، وبيَّن
سعادته أن مثل هذا المشروع سيرفع المشقة عن كاهل أفراد الشرطة بها والمواطنين أن
يتكلفوا عناء رحلة البحث عن العلاج بالخرطوم، وهو الأمر الذي تحقق بفضل الله ثم
بجهود المخلصين من أبناء الولاية سيما الأطباء. وقد أوفى الوزير بوعوده في
المكاتبة، فتبرعت القضائية بمبلغ عشرة مليون جنيه لصالح إنشاء المستشفى ومثلها فعل
جهاز الأمن بالولاية، بل تبرع الوزير بمبلغ عشرين مليون جنيه دعماً لإنشاء
المستشفى.
باستشارة أخصائي النساء والتوليد بمستشفى دنقلا الطبيب/ عصام يعقوب قمت بنقل مدرسة التدريب من موقعها شمال المنطقة الصناعية إلى مساحة تخص الشرطة تقع في جزءٍ من مطار دنقلا القديم الذي يتوسط حي الدرجة الثالثة بها، وهي مساحة كبيرة يصلح المتبقي
![]() |
| الدكتور/ عصام يعقوب (استشاري أمراض النساء) |
منها لإنشاء "قشلاق" لسكن منسوبي الشرطة. وقررت إنشاء مستشفى الشرطة في مكان مدرسة التدريب القديم. وباستشارته أيضاً - الطبيب/ عصام يعقوب – قمنا بتخصيص إدارة المدرسة عيادةً للطبيب للكشف وللعمليات الصغيرة والمعمل والصيدلية. أما المطبخ والسفرة فخصَّصناها للولادة الطبيعية، وتمَّ بناء غرفة العمليات ومعداتها، كما أنشأنا غرفاً خاصةً استثماريةً في جناح الولادة مجهزة بثلاجة وتلفزيون.
كما
أمدتنا مؤسسة "الخدمة الوطنية" بعدد بطبيبين، وقمنا بزيادة راتب
الممرضين ومحضر العمليات والمخدر بمبلغ خمسة وعشرين جنيه علاوةً على راتبهم، كما قمنا
بتعيين كادر المعمل من خريجات جامعة أم درمان الإسلامية.
كما قمنا بتعيين بعض الأطباء في رتب الشرطة، فتم تعيين الدكتور عبد الفتاح العميري – أخصائي النساء والتوليد - ودكتور دياب حسين – أخصائي الأطفال - والدكتور ناجي مقلد ـ أخصائي الباطنية - في رتبة العقيد.
زارنا في رئاسة
الشرطة بالولاية سعادة اللواء بحري/ سيد الحسين والي ولاية البحر الأحمر – حينها -
ودُهش لكون ولاية البحر الأحمر ليس بها مستشفىً للشرطة، وسألني: كيف فعلتموها؟
فأخبرته أن الفضل فيها يرجع للسيد الوزير/ بكري حسن صالح.
مؤخراً
تم تحويل مقر مستشفى الشرطة إلى موقعه الحالي حيث مقر رئاسة الشرطة القديمة، وتم بناؤه
بصورة أحدث في ثلاثة طوابق، باشر بناءه اللواء شرطة فضل محمد فضل مدير شرطة
الولاية سابقاً وافتتحه سعادة الفريق أول/ عنان حامد محمد المدير العام السابق.
وقد دُعيت بعد تقاعدي لحضور افتتاح المستشفى الجديد وكنت حينها قد أقعدني فقدان بصري جزئياً عن ارتياد المسجد فاستحيت أن أجيب دعوةً وأنا لا أجيب داي الله لبيته، ثم طُلب مني أن أسجل عن تأسيس المستشفى باعتباري المؤسس فخشيت أن تُقتصر الإشاد
![]() |
| الفريق أول/ عنان حتمد محمد |
ة في هذا الصرح عليَّ فيُهضم حق الكثيرين الذين شاركوا بفعالية فيه فامتنعت عن ذلك، غير أني ضبطت تشويهاً للحقيقة بأن سُجِّل التوجيه بإنشاء مستشفى الشرطة إلى مدير عام الشرطة وهو غير صحيح بل الصحيح أن الموجِّه كان الوزير حينها/ بكري حسن صالح. وقد علمت فيما بعد أن اللواء طبيب/ دياب حسين – مدير المستشفى – قد أطلق اسمي على جناح فيه عرفاناً لذلك العطاء.
ثم عملتُ
على توسيع نشاط وخدمات المتجر والمخبز التابعين للشرطة، فعندما عرضت خطتي تلك
بحضرة الوزير في مقابلتي إياه، قال: أبشرْ. وقد كان كما وعد، فقد أوفى عندما طلبت
تغيير المخبز فرفدنا بمخبزٍ آليٍ كامل، كان من أوائل المخابز الآلية بالولاية
حينها إن لم يكن الأول. كما وسّعنا نشاط المتجر فقد استجلبنا أولى السلع للمتجر من
المركز بمبلغ اثني عشر مليون جنيه، أحدثت نقلة كبيرة يومها في نشاط المتجر.
وجدت قوة
الشرطة المعينة في الولاية الشمالية تغطي أربعين بالمائة مما يستوجب أن تكون عليه،
ويرجع ذلك العزوف عن انضمام المواطنين لها إلى قدر الراتب الضئيل، فقد كان راتب
الفرد فيها هو سبعة عشر جنيهاً، وهي تكاد لا تغطي للأسرة الصغيرة حاجتها المعيشية الأسبوعية.
وفي هذا الصدد أذكر أننا ذات يوم استضفنا في دار الشرطة العميد إبراهيم حسن خليل مساعد المدير العام
![]() |
| دكتور/ محمد دياب حسين |
كما
وجدت تسليح القوة يعتمد على البندقية "ماركة أربعة"، وهذا سلاح استخدم
في الحرب العالمية الثانية قبل أكثر من نصف قرن من الزمان، وقد كانت الولاية على تخوم
المهدد الأمني العظيم وقتها وهو "النهب المسلح" الذي انتشر في إقليم
دارفور وبعض أجزاء "كردفان" المجاورَين، فاستبدلت سلاحها بالبندقية
"الكلاشنكوف" أسوة بالشرطة المركزية، كما كونت فصيلة "احتياطي
مركزي" لمواجهة الطوارئ الأمنية.
في يونيو
1998م ترقيتُ مع خمسة من دفعتي إلى رتبة اللواء مع الدفعة التي سبقتنا ولحقت بنا
بقية الدفعة بعد عام من ذلك التاريخ، كانت معايير الترقي تقوم على الشهادات
الأكاديمية وتقارير الأداء التي تحوز غالب الدرجات في ذلك.
زار مدير عام الشرطة الولاية الشمالية، فاستقبلته بمعية الأخ نائب والي الولاية، ورافقته في السيارة المخصصة له لتفقد إدارة الشرطة، فعجبت من تودده لي بعد سجل المعاملة غير الكريمة التي كان ينتهجها معي، ووصل حدُّ تودده أن طلب مني خلع "البوري" - وهي في العرف العسكري إنما تحقُّ للرتبة الأعلى - وقال الجملة الدارجة في التواضع (خَلِّيْ الْبُسَاطْ أَحْمَدِيْ). ثم أردف القول (إن الوزير فوّض إليه شؤون الضباط التي كانت من اختصاصاته مثل منح الإجازات بدون راتب، كما خصص له هاتفه السري، وأن الوزير ذكر له أن الوزير السابق والمدير العام السابق لم يكونا على وفاقٍ الأمر الذي تطلب نقليهما معاً عن مواقعهم، وهي سابقةٌ في تاريخ الشرطة. وأن الوزير نوه بالنظر في مظلمتي لقناعته بوجاهة الاستئناف). وقد أرجعت سبب ذلك التظاهر بالمودة إليَّ أنه علم بأمر التواصل المباشرة للوزير معي، بسبب متابعة الوزير لبعض الخدمات لأهله والتي كان يطلب مني مباشرتها بحكم وجودي في الولاية. فظنّ أن لي حُظوةً عند الوزير. وكنت قد تقدمت باستقالتي فلم يسألني فيها لعلمه بالسبب – مكثت في "دنقلا" عامين إكراماً للوزير الذي عمل لخدمة أهله وكان وزيراً للداخلية بحقٍ، وإلا فقد كنت أنوي الاستقالة بمجرد صدور قرار النقل للولاية الشمالية.
صارت الولاية الشمالية ورئاسة شرطتها في عهدي مرمى التنقلات التعسفية لضباط الشرطة المشهود لهم بالكفاءة والإنجاز، فمن هؤلاء العقيد/ محمد عبد المنعم التلب، مدير نادي الشرطة وصاحب الإنجازات الأظهر في مرافق النادي، فقد أنشأ الاستثمارات فيه من محطة وقود وكافتيريا فاخر والصيدلية الشعبية ومكتب طباعة وسوبر ماركت. وعلمت أن سبب نقله كان خلافاً بينه وأحد ال
![]() |
| اللواء خالد بن الوليد |
نافذين في الشرطة الذي حاول الاستبداد ببعض منافع النادي فرفض التلب ذلك الطلب، فنقل على إثرها. وفي حادثة أخرى نُقل إلينا ضابط قادم من دولة عمان كان يعمل بجوازات السفارة فيها، فتلقاه قرار النقل وهو يحط رحله بمطار الخرطوم من غير مهلة يتفقد فيها أهله في الخرطوم. ومن هؤلاء أيضاً ضابط المرور الشهير خالد بن الوليد. لقد كان السؤال الشائع الذي يُستقبل به المنقولون إلينا هو (إنت عملت شنو نقلوك للولاية الشمالية؟).
وبحكم موقعي في رئاسة شرطة الولاية الشمالية صرت عضواً بمجلس إدارة جامعة "دنقلا" الذي كان يرأسه حينها السيد/ عز الدين السيد، وبهذا بدأت علاقتي بجامعة "دنقلا" قبل أن أنتسب عضواً بهيئة تدريسها. وقد مكنتني هذه التجربة في عضوية مجلس الجامعة الاهتمام بقوانين ولوائح التعليم العالي والجامعة، وقد أخذ هذه العضوية بقوة الأمانة الاجتماعية لرجلٍ أراد به القدر أن يأتي خادماً لمجتمع أصولِهِ بِرَاً بهم وصلةً لرحمٍ بقيت بعدهم، فلم أشأ أن أتغافل
عن نهضة هذه الديار ورفعتها، وقد رأيت أن المعول الكبير لتلك النهضة هي هذه الجامعة. ولكن لم تكن لتلك الهيئة أن تنجح في هذا المشروع بأدائها ذلك الذي آلمني جداً، وقد يتيح لي العمر أن أستفيض في توثيقها على نحوٍ ناقدٍ آمل به رِفْعةً لبلدي لا وَضْعةً لأحد.وقد كنت في مستهل حضوري للولاية زرت السيد/ محمد الكامل الإدريسي شيخ السجادة الإدريسية في منزله بناحية "بَيُّوْضْ" بمدينة "أرقو"، وذلك لكونه أحد أهم الشخصيات الاجتماعية في السودان فضلاً عن الولاية الشمالية، ومن جهةٍ أخرى فقد كان السادة الأدارسة – ومنهم السيد محمد الكامل – محط تقدير وإجلال آبائنا م
![]() |
| السيد/ كامل الإدريسي |
ن أهل "بنارتي"، ومن باب البرِّ بهم وجوب برِّ أهل مودتهم عملاً بالسنة النبوية الشريفة. وقد قام السيد/ محمد الكامل بردِّ هذه الزيارة لي في منزلي عشرات المرات، فقد كان – رحمه الله تعالى - رجلاً أصيلاً محبوباً كريماً، أسعد الله بمعرفته أعوامنا في الولاية الشمالية.
وفي ذات العام 1998م الذي ترقيت فيه لرتبة اللواء تقدمت باستقالتي من الشرطة وأنا في أوج إخلاصي وحبي لها من جهةٍ ومن جهةٍ أخرى إشفاقي على آثار المشاحنة بيني والمدير العام، فقد كان مبعث إصراري على الاستقالة في المقام الأول هو فقدان التعاون مع مدير عام الشرطة، الأمر الذي كان سيضر ضرراً بالغاً بما أتولاه من إدارات في الشرطة ومن يعملون معي، كما أن التعاون مع المديرين هو أساس التقويم في تقارير الأداء، فقد رأيتُ وقد انعدم هذا التعاون مع المدير العام أن الأمانة تقتضي أن أتنحى عن سبيله. وعلى الرغم من شعوري بالظلم الواقع بنقلي من الأكاديمية العليا إضراراً، ومخالفةً لموجهات الإستراتيجية القومية في شأن العمل الشرطي والقاضية ببقاء حملة الدرجات فوق الجامعية – على قلتهم – بالأكاديمية، إلا أني كذلك لم ألمس أي داعٍ أمني لنقلي لولاية تخلو من أي مهددٍ أمني إلا الإضرار، فتقدمت باستقالتي وأنا أتمثل قول الشاعر:
ولا
يقيمُ على ضيمٍ أريد به
إلا الأذلان عيرُ الحي والوتد
ومبعث
الاستهداف من المدير العام لشخصي جاء على خلفية أمرين، أولهما هو مذكرة التدريب
التي قمت بإعدادها بشأن امتحانات الترقيات والتي أثنى عليها نائب المدير العام
يومها، وكان مدير التدريب العام - رئيسي المباشر وهو من منتسبي الدفعة (27) دفعة المدير
العام، حذرني من التنويه بمسألة الامتحانات التي كانت عثرةً للمدير العام في مسيرته
المهنية، برغم حصوله على درجة الدكتوراة من جامعة أم درمان الإسلامية– طالباً إثنائي
عن المذكرة غير أني رأيت السير فيها وبعثت بها للسيد المدير.
وعلى
ذكر إدارة التدريب في الشرطة فإن التدريب على ذك العهد كان يشمل: تدريب الضباط والرتب
الأخرى، ومعهد الضباط، ومعهد الرتب الأخرى، وكلية الشرطة، بالإضافة إلى أكاديمية
الشرطة. وكان الهدف الإستراتيجي من ابتعاثنا للدراسة فوق الجامعية هو إحلالنا في الأكاديمية
للأساتذة الأكاديميين المتعاونين من الجامعات والمعاهد العليا.
والأمر
الثاني كان أن أعددتُ – وأنا في إدارة تدريب الضباط - قائمةً للتدريب لدراسة "تقانة
المعلومات" - التخصص الحديث وقتها في العام 1996م- وذلك بمركز يتبع لجامعة
الجزيرة مقيماً بشارع محمد نجيب بالخرطوم، وكانت القائمة تضم سبعين ضابطاً من إدارات
الشرطة التي حول الخرطوم، وقد استوضحني نائب المدير عن سبب اقتصار القائمة على
المنتسبين لإدارات ولاية الخرطوم، فأوضحت له سبب ذلك أنها مرتبطة بالميزانية المقررة
للعالم المالي الذي أزف على الانتهاء، وأن الولايات ستعالج في الميزانية القادمة فأثنى
على التصرف وشكره. إلا أن الوزير رفضها وحسب إصرار المبتعثين على الاستفادة من الفرصة
موجهاً ضده، وخلافاً لمقررات وتوجيهات الإستراتيجية القومية للشرطة والقاضية ببقاء
كبار الضباط بأكاديمية الشرطة فقد قرر المدير العام في يوليو 1996م نقلي تعسفاً وسوء
استخدام لسلطة مديراً لشرطة الولاية الشمالية، وهذا معارض للقانون الذي هو عهد
وميثاق ولذلك يمهر بواسطة رئيس الوزراء، والنقل بهذه الطريقة وسيلة غير "كريمة"
للتعامل مع الضابط الذي لا تجد سبيل لمحاسبته على تهمة غير ثابتة فتلجأ لنقله لمنطقة
شدة، وقد عُرِفت الولاية الشمالية بأنها "منطقة شدة" منذ عهد الاستعمار
الذي أسس بها مشاريع الإعاشة لتوطين أهلها ووقف الهدر السكاني بهجرة أهلها عنها، ولم
أعلم بخبر نقلي إلا من خلال "كشف التنقلات". وإمعاناً منه في الإضرار
فقد رفض طلبي بتصديق سلفية خصماً على المعاش، وقد كنت أستحقها بحكم الرتبة وبحكم الأقدمية
لكنه رفضها، فأصررت على ربط تنفيذي للنقل بتصديق السلفية حتى تدخل الوزير وأمر
بصرفها. وهذه السلفية إنما هي وسيلتي للقيام بمهام مدير عام الشرطة في ولايةً هي
أكثر ولاية في السودان غلاءً وسأكون باسم الشرطة فيها قبلةً لأهلي القادمين إلى عاصمتها
استشفاءً وتعليماً ومعبراً للسفر عبر مطارها ونزولاً لمغتربيها بمنزلي، علاوةً على
استقبالي لوفود الشرطة المركزيين وإكرام الزملاء والقادة، فهي سدٌ لتلك الثغور
التي أجملها المقنع الكندي بقوله:
يُعاتِبُني
في الدَّيْنِ قومي وإنَّما دُيونيَ في
أشياءَ تُكسِبُهُمْ حَمْدَا
أَسُدُّ
بِهِ ما قَد أَخَلّوا وَضَيَّـــــعوا ثُغورَ
حُقوقٍ ما أَطاقوا لَها سَدّا
وجد قضاء
النقل المتعسف هذا في نفسي قبولاً فقد وجدت به فرصةً أخدم بها أهلي في هذه الولاية،
وقد سعدت بخدمة أهلي طيلة سبعة عشر عاماً متواصلةً، وذلك برغم ارتباطي العاطفي
والأسري بأم درمان، فمنزلي المِلْكُ بها، وهواي الأمدرماني متقدٌ بدواخلي، لكني
استجبت واعتبرتها هجرةً عكسية، فالولاية الشمالية تحتاج لعقولها المهاجرة وكوادرها
المؤهلة لتنميتها. وقد كانت من وصاياي لوالي الولاية وحكومتها أن تحرص على استرداد
عقولها المهاجرة وتوطينها، وذلك بجعل الولاية جاذبةً مثلما هي الخرطوم، وذلك بأن
تقوم فيها المدارس الخاصة والمستشفيات الخاصة وغيرها.
وما
كنت لأقضي زمناً في العمل الشرطي برغم قناعاتي برسالته وحبي له على الوجه الذي
صورته في أسماء أولادي، وأنا الذي أؤمن بمبادئي التي عشت بها ولها من "الصدق"
الذي يتجلى في إحقاق الحق والجهر به واتخاذ المواقف فيه. ومن "التوكل"
الذي يحمل صاحبه على أن يتقي الله ويُجمل في الطلب. ومن "اليقين" على
نهج الحديث النبوي (لا يَحقِرَنَّ أحَدُكم نَفْسَه أنْ يَرَى أمْرًا للهِ فيه مَقالٌ،
فلا يَقولُ فيه، فيُقالُ له: ما منَعَكَ؟ فيقولُ: مَخافةُ النَّاسِ، فيقولُ: فإيَّايَ
كُنتَ أحقَّ أنْ تَخافَ) والحديث (إنك لَن تدَع شيئًا للهِ عزَّ وجلَّ إلا بدَلك
اللهُ به ما هو خيرٌ لكَ منه). فتقدمت باستقالتي من العمل في الشرطة، وذلك في يونيو
1998م.
علَّق
العميد معاش/ علي النعيم على صورة لسعادة الفريق عبد المنعم سيد سليمان في موقع (التوثيق
للشرطة السودانية) بعبارة: (وكان رجلاً قائداً عارفاً ببواطن العمل الشرطي، قوياَ
في الحق، غيوراً على الشرطة)، فكتب العميد شرطة معاش/ عباس فوراوي معقباً على تلك
العبارة بالقول:( ونضيف لكل ذلك الآتي: فقد تمت إحالة عدد كبير من ضباط الشرطة
للصالح العام في عهده بجانب رفيقه ونائبه الفريق صلاح ميرغني وقد حوى الكشف رقم (333)
بتاريخ 31/10/1996 الكثير من الأسماء الخاطئة مما يدل على عشوائية الإحالات. سأله
أحد المحالين للصالح العام وقتها وكان يعمل بالولايات الاستوائية: لماذا تحيلوني
للصالح العام وسيادتكم زارنا بالجنوب قبل شهر وكنت تشيد بصبرنا وأدائنا الشرطي
بجنوب السودان وتأسى لحالنا!؟ فرد الرجل:( والله ما عارف أنك من ضمن المحالين
للمعاش إلا الآن فقط، فنحن نوقع على الصفحة الأخيرة من الكشف فقط). نعم لقد كان
رجلاً طيباً ومحترماً قبل تعيينه مديراً عاماً للشرطة ولكن الأمور انقلبت على أعقابها
بعد الرتبة الفخيمة والشحيمة. ليست لدينا الرغبة الآن للتوثيق للصفحات السوداء في
تاريخ الشرطة السودانية).
https://www.facebook.com/groups/sudanpolice/posts/830792950294889/?comment_id=831572806883570
لقد
أورثتني هذه التجربة في شرطة السودان آراء ورؤى حول العمل الشرطي في السودان، أرجو
أن تكون نافعة وهادية لأي جهد إصلاحي فيها. فمن ذلك:
أولاً:
ماهية عمل الشرطة. فالشرطة جهاز مدني وعمله إنساني مثل الهلال والصليب الأحمر ومنظمات
المجتمع المدني، تقوم رسالته على الإرشاد والتوعية بالمضار والتوجيه ورعاية آداب
الناس، شأنه في ذلك شأن التربويين والمعلمين، والضابط في عملهم هو عدم إفلات المجرم
من العقاب، فإن الإفلات من العقاب يكرس التهاون في الحقوق المدنية.
وقد
رفضت منظمة الأمم المتحدة التعامل مع الشرطة السودانية بسبب مظاهرها العسكرية
الحربية في استخدامها السلاح المقاتل وارتدائها الزي العسكري الحربي، فلو قارنا
بين المظهر العام للشرطة السودانية وأزياء الشرطة في الإقليم والعالم لرأينا
التباين في الإيحاء، ولم يكن هذا هو الزي المعهود للشرطة سابقاً.
ثم إن
قادة الشرطة مؤخراً جاروا الجيش في عملهم فاستخدموا تسليح الجيش وقاموا بعمل تكتيكات
كبري في شكل مشاريع كبرى هجومية، بل جاروا الجيش في تسليحه، وكان هدفهم في ذلك أن يكسبوا
امتيازات الجيش عملاً بنظرية (الأجر المتساوي للعمل المتساوي)، فأضروا برسالة
الشرطة من حيث أرادوا النفع. ولعل هذا العمل يجيء في سجال المنافسة بين الشرطة
والجيش في النواحي المالية، فقد أبان الفريق أول عباس مدني في لقاء صحفي سابق تاريخ
هذا التنافس بالقول:( كانت هناك حساسية بين الشرطة والجيش، ويعود ذلك إلى مرحلة
تقويم الوظائف، وكانت لجنة القوات النظامية مشتركة، وكنت فيها عن الشرطة، وطالبت
بتقييم ضابط الشرطة، خاصة وأننا نعينه بمستوى ثقافي معين، ومستوى لياقة بدنية،
وندخله في دراسة مكثفة لستة أشهر، ونطلقه في الشارع ومعه ذات سلطة مدير الشرطة
التي تمكنه من أن يطلق النار ضمن إطار القانون وواجبه ويتحمل مسؤوليته، ونمنحه سلطة
اتخاذ القرار، وعندما تم تقييم رجل الشرطة بالمواصفات التي قدمتها لهم خرج تقييمه
عالياً، فقالوا هذا كثير، فاتفقنا على خفضه درجة عن نظيره في الجيش، وعندما مضت
الأوراق للرئيس النميري خفض علاوة الشرطة درجة أخرى، فخلق هذا حالة إحباط داخل
الشرطة، وأصبح ضابط الجيش يأخذ راتباً أكبر من نظيره من ضباط الشرطة، كأن يأخذ ملازم
الجيش راتب نقيب شرطة، وهناك جانب آخر، فبعد الحكم الإقليمي أصبحت الشرطة تابعة للأقاليم
بما في ذلك ميزانيتها، وقاد هذا لحدوث عجز كبير في إمكانيات الشرطة من حيث الملابس
والأسلحة والمعينات والعربات، وأدى هذا لهبوط المعنويات، وعندما قامت الانتفاضة
تمت إعادة وزارة الداخلية وتم تعديل القانون على أساس الحيادية والقومية)، وإذا ما
قرأنا هذا التصريح مع إفادة مساعد المدير العام الأسبق الذي عاصر الاستعمار وفترة
السودنة سعادة العميد/ إبراهيم حسن خليل لاتضح الأمر جلياً.
ثانياً:
التعيين السياسي لمدير عام الشرطة أضر بالمهنة داخلها وخارجها، فنقابة الشرطة متمثلة
في مديرها العام، فهو الذي يدافع عن منسوبيه ويرعى مصالحهم، فإن تم على أساس حزبي
سياسي لانقلب على بعض أهله بالمضرة والعدوان، وهو ما ورد مع الكثير من الضباط وما
حادثة الضابط/ عصمت أحمد حسن ببعيد، وغيره عشرات الحالات.
ثم إن
الشرطة هي ثالثة الأثافي في حِمَالة العدالة في البلاد، بعد السلطة القضائية
والنيابة العامة، والولاية السياسية فيها تهمةُ انحيازٍ وعدم حياد، فكيف تتوفر
الثقة المجتمعية فيمن هو (الخصم والحكم)؟!
ثالثاً:
فاقد الشيء لا يعطي، كيف تهدم الشرطة قواعد العدالة والإنصاف في ممارستها الإدارية
ونشاطها المجتمعي سيما في مباشرتها العمل بالقانون الجنائي وإجراءاته ثم تدعي
لنفسها القوامة على القانون والعدالة، فالتجربة بيَّنت أن بعض الضباط قد يجنحوا
إلى سوء معاملة المتهمين حتى تنجح قضيتهم، ولا شك في أن ذلك نجاح غير عادل وسيولد
الشحناء ضد الشرطة أولاً، كما أنه سيطور الجريمة بحيث لا تطالها ملاحقة الشرطة.
رابعاً:
اهتزاز الصورة الذهنية المجتمعية للشرطة بسبب تغيير الأنظمة لدور الشرطة بجعلها قوة
باطشة ضد الجمهور، وقد عملت أثناء الدراسة على تجلية الدور التربوي المجتمعي
للشرطة واستعادة الرؤية الأولى المؤسِسة للشرطة والمستلهمة من الرؤية البريطانية
للشرطة، ولهذا الحديث فصلٌ يتصل بتناول البحث الأكاديمي لدرجة الماجستير.
خامساً:
أهمية التوثيق التاريخي العلمي والراشد لتاريخ الشرطة، وقد أدى بعض النماذج
الشرطية المخلصة في هذا الشأن وعلى رأسهم سعادة الفريق أحمد المرتضى أبو حراز ومحمد عبد الله محمد صاحب "تاريخ جهاز
الشرطة في السودان"، وغيرهم، لكن التأسيس المؤسسي لهذا الدور
ما زال غائباً وما تزال المبادرات فيه شخصيةً وقد تعتمد على التجربة الإدارية بغير
مؤهل علمي، وهذا لا تؤمن عليه الفتنة. ويمكن أن يقوم الدور المؤسسي في هذا الأمر
بإنشاء "مركز أبحاث الشرطة"، بأن يعتمد على الباحثين والمدونين لكن تحت
إشراف علمي، ومنهج بحثي مدروس، على أن يكون من مهامه إبراز الدور الوطني للشرطة.
سادساً: إبراز المكانة والدور الاجتماعي للشرطة بصورة مؤسسية، فقد أضر كثير من ممارسات منسوبي الشرطة بتلك المكانة الأمر الذي يحتاج إلى تضافر جهود كبيرة لهذا العمل.







